السعودية: معاناة التصحيح الجنسي – الإنترسكس بين الوصم والتعسّف و وهم التقبّل، و الترانسكس بين الرفض والشجب

بقلم: ياسمين حسن

استفزني لكتابة هذا المقال بعض الكلام الذي ورد على لسان د/ طارق الحبيب في برنامج تليفيزيوني بإسم “خطوة” (على قناة أبو ظبي) في 7 يونيو 2010 حول قضية سالي مرسي (طالبة الأزهر سابقاً و التي صححت جنسها في أواخر الثمانيات)، فالدكتور طارق ليس أي طبيب، فهو على حسب علمي من الأوائل في المملكة العربية السعودية الذين تجرأوا بطرح موضوع الترانسكشوالتي بشكل أكثر عقلانية و تفتّح غير مسبوق – من خلال نقاشه بإحدى حلقات برنامج لمسات نفسية، بغض النظر عن إستناده لتصنيف إضطرابي يصنّف الهوية ذاتها كهوية مضطربة (إضطراب الهوية الجندرية) و الذي تختلف حوله الآراء و يلاقي مناهضة متزايدة [1] [2] [3] [4] [5]، فهي كانت بداية ومبادرة طيبة منه. لكن ما ورد على لسانه حول قضية سالي في حديثه عن ضرورة الحصول على فتوى خاصة قبل البدء في طريق التصحيح الجنسي، جاء كخبراً مزعجاً، أولاً حيث أنه أشار بطريقة غير لائقة لسالي بصيغ مختلطة و قال حرفياً “على حسب وقته الآن” رغم أنه من المعروف أن سالي قانونياً أنثى منذ عام 1988، و ثانياً لأنه أذعن بأنها أخطأت بعدم الحصول على فتوى قبل الخضوع للعملية، رغم أن هذا ما فعلته تماماً، حيث أنها حصلت على فتوى من الشيخ سيد طنطاوي (رحمه الله) والذي كان مفتي الجمهورية آنذاك وقبل إجراء عمليتها. أشعر أن سالي حُكم عليها ظلماً مرة أخرى، لإستخدامها كـ “شماعة” تعلّق عليها أمثلة ظالمة للشجب. هذا بالإضافة إلى أن سالي لم تكن بحاجة لفتوى دينية آنذاك لتغيير أوراقها قانونياً لأنه الموضوع نُظر فيه من جوانب علمية و قانونية بحته، و ما كان لجوئها للحصول على الفتوى إلا بمثابة الإجتهاد الشخصي منها. على أية حال، سأحاول قريباً أن أحصل على نسخة من هذه الفتوى للنشر، و أتمنى أن يكون هذا دافعاً ليراجع د/ طارق نفسه في كلامه الذي صرّح به إعلامياً.

برأيي الشخصي المتواضع، أعتقد أن د/ طارق تغيّر في كلامه حيث أنه عقّد الأمور (في برنامج “خطوة”) بعدما ظننا أنه بسّطها في أول تطرقاته للموضوع (في برنامج “لمسات نفسيه”)، و هذا لأنني أرى أنه أضاف الكثير من الأعباء على صاحبي الحالة بدلاً من مناشدة الجهات المسؤولة لإعادة النظر في القضيّة بشكل أكثر عقلانية لحل مشاكلهم التي هم المتسببون فيها. أوجه هنا حديثي لدكتور طارق: ما الذي تقدّموه سيادتكم الآن لهذه الحالات إذ تارة تقرّون بها و تنادون بالتعاطف معها و تعدون بتوفير تقرير عن الحالة في حال فشل برنامجكم العلاجي النفسي، و تارة أخرى تقولون نرفضهم إذا رفضوا الخضوع للبرنامج العلاجي النفسي؟ أتمنى حقيقة ألا يكون هذا مجرد أسلوباً لإستدراج هذه الحالات و ليس إلا، لأننا إلى الآن لم نسمع بأي تقارير قدّمتها عيادتكم، بجانب تحويل بعض الحالات الوافدة لديكم إلى أطباء غير متفهّمين لطبيعة الحالة بالمرة، ناهيك عن الأسعار الباهظة الكُلفة للزيارة الواحدة لديكم. نتفهّم ضيق الوقت و مشاغلك يا دكتور، و لكنك خير من يعلم حال هذه الحالات نفسياً و إجتماعياً و إقتصادياً، و هذا ما يجعلني أتسائل: أين ذيّاك الرأفة والتعاطف التي لمسناها سابقاً في حلقتك ببرنامج لمسات نفسية؟

هناك العديد من النقاط التي أودّ أن يسمح لنا بفرصة مناقشته فيها إذا تكرّم، بحكم إطّلاعنا وبحثنا وكذا تجاربنا الشخصية في هذه القضية، و لو أن هذا الموضوع خارج نطاق هذا المقال، ويحتاج لموضوعاً مستقلاً ليوفيه حقه.

______

إنتقالاً لقضية الإنترسكس (ثنائيي الجنس)، نناقش هنا بعض ما بحثناه في المصدرين التاليين:

مستشفى الملك فيصل التخصصي و مركز الأبحاث
مجلة التخصصي – العدد (3) جمادي الآخرى 1427 هـ – يوليو 2006 مـ
بعنوان: أخطاء تشخيصية في أثناء الولادة تحيل الذكر أنثى و الأنثى ذكراً (ص 8-16)

ص 8
“تشكل العيوب الخلقية للأعضاء التناسلية و ما يصاحبها من مشكلات في تحديد الجنس أحد أهم أمراض الغدد الصماء شيوعاً في منطقتنا العربية عامة و المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، بسبب قيم اجتماعية تتمثل في كثر زواج الأقارب، ما يؤدي إلى ارتفاع احتمالات التقاء الجينات المسببة لهذا المرض”

ص 9

د.عبد الله الأشول: في المملكة لا توجد إحصائات دقيقة في التشوه الخلقي للأعضاء التناسلية، لكن لدينا إحصائات عن خلل الغدد.

الخطأ الأول ها هنا هو رفض الإقرار بالإختلافات الخلقية/التنشئية للإنسان كشيئاً من الطبيعة – طبيعة خلق الله، و فرض ألفاظاً و تسميات تنفّر القاريء من إمكانية تقبّل وجودها أو الإبقاء عليها. و تعددت هذه التسميات، و التي لا أنسب إختلاقها للأطباء المذكورين في هذا المقال إطلاقاً، فهذه تسميات مورّثة على مر العقود، كنعتها بـ “العيوب الخلقية” و “التشوّه الخلقي” كما نقرأ هنا، و كما اعتدنا أن نسمع من الشيوخ و المفتيين أن “الله فطر الإنسان على أحد الجنسين، الذكر أو الأنثى” لتبرير هذا التوجّه الحصري و رفض الإقرار بأن هذه الإختلافات ما إلا جزءاً من طبيعة الخلق. و هذا ما أراه خطئاً آخر، و أستدل هنا بالقرطبي فى تفسيره: “إن الله تعالى خلق أغلب البشر إما ذكرا وإما أنثى، وقد يحدث أن يجمع الله تعالى فى إنسان واحد صفتي الأنوثة والذكورة بأن يكون له فرج رجل وقبل امرأة وهذا ما يعرف بالخنثى المشكل عند الفقهاء”. وقال أيضا نقلا عن ابن العربي: “وقد أنكر قوم من رؤوس العوام وجود الخنثى لأن الله تعالى قسم الخلق إلى ذكر وأنثى.. قلنا: هذا جهل بالغ وغباوة عن مقطع الفصاحة وقصر عن معرفة سعة قدرة الله فإنه واسع عليم، وأما ظاهر القرآن فلا ينفي وجود الخنثى لأنه تعالى قال “لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء”.

بغض النظر عن التصنيف المرضي بـ “العيوب” و “التشوّه”، نرى خطئاً جسيماً في هذا التصريح، و هو الإقرار بعدم وجود إحصائيات “دقيقة” عن هذه الحالات، بالرغم من ظهور نبذة في بعض الصحف نقلاً عن نفس الجهة الطبية (مستشفى الملك فيصل) في غضون سنتين فقط من نشر هذه المجلة الطبية – و إن كان العنوان غير دقيقاً بالمرة، حيث أن الحديث هنا عن “تصحيح” و ليس “تحويل” جنسي لا جدال فيه، أقتبس عنوان المقال: 600 عملية “تحوّل جنسي” بالسعودية

إذاً فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا وجد هذا الكم من العمليات بنفس المستشفى، فلماذا لا توجد حتى إحصائيات تقديرية أو قصصية إن لم تكن إحصائيات نسبيّة؟
أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال متّصلة بالخطأ الأول الذي أشرنا إليه، و الداعي هنا هو تصغير و تقليص (أو طمس) الأرقام و الإحصائيات حتى يقال “ليس لدينا إحصائيات و هذه حالات نادرة” لتبريرها كحالات “شاذة” و تصنيف هذه الإختلافات الغير مرغوبة كـ “تشوّه” و “عيوب” و ليس مجرد إختلاف خلقي، و ذلك ما يشجّع إرتكاب خطئاً أكبر و أخطر، و هو التدخّل المبكّر بالجراحة على أطفال رضع.

ص 8
د.الحربش: “أعتقد أن العيوب الخلقية في الأعضاء التناسلية تنقسم إلى نوعين أساسيين: الأول أنك تتعامل مع طفل لا تستطيع أنت كبشر أن تقول هذا ولد أو بنت، و غالباً ما يكون عند الولادة. فيكون تحديد الجنس مبنياً على قيم قد تنشأ بقرار من الأهل أو من الطبيب المباشر للحالة، أو من أطباء متخصصين إثر إجراء فحوصات عديدة قد نتكلّم عنها لاحقاً بالتفصيل.”

لاحظ هنا المفارقة أننا كبشر لا نستطيع أن نحدد جنس المولود، و مع ذلك، نقرر تحديد جنسه بناءاً على إفتراضات “قد تنشأ” بقرار من الأهل أو من طبيب أو أطباء. و مهما كان عدد هذه الفحوصات، نحن بصدد مشكلة أخلاقية خطيرة، و هي أننا لم نعطي لهذا الإنسان نفسه أي حق في إتخاذ القرار أو الإذعان بهويته بذاته، فهو ما زال طفل حديث الولادة!

الآن، نرى المزيد من “الإفتراضات” التي تفتقر لأي دلائل أو أبحاث أو قرائن علمية دقيقة عن كيفية تحدد الهوية، و مع ذلك تؤخذ بشكل قطعي كالرأي السديد في إتخاذ قرار الإمساك بالمشرط و القيام بالجراحة على أطفال لتعديل شيء ما يرونه “تشوهاً”، و الذي هو في الغالبية الساحقة من الحالات مجرّد إختلافاً لا يمثّل أي نوع من الخطورة على حياة هذا الشخص، الذي بإمكانه أن يعيش سنوات ليكبر و يفطن و يقرر لنفسه ما إذا كان راغباً في الجراحة أو لا، و أن يقرر لنفسه هويته الحقيقية..

ص 11
د.الأشول: و نشدد على أن يتم التشخيص النهائي بحقيقة المولود على الأقل في مدة لا تتجاوز ستة أشهر من الولادة. فالمشكلة أن الطفل بعد عامين إلى ثلاثة أعوام تتحدد هويته العقلية و النفسي إما ذكراً أو أنثى، و من الصعب أن تبقيه طوال 5 أعوام أو أكثر مشتت الهوية الجنسية.

د.الحربش: “لكن حين نعود إلى واقعنا نشاهد و بكل أسف كثيراً من الحالات التي تأتينا لأطفال أعمارهم 4 سنوات، و ست سنوات، و عشر سنوات، و حتى 17 سنة و هم يعانون تحديد هوية جنسية مغيرة لحقيقتهم البيولوجية، بسبب تشوهات في الأعضاء التناسلية، سواء الخارجية أو الداخلية، و لم يتم التعامل معهم بشكل صحيح فور ولادتهم“.

د.المتحمي: “كما أن هناك مسألة مهمة خاصة بنا نحن جراحي أطفال، فحين يتم تحديد المشكلة في وقت مبكر بعد الولادة يمكننا التدخل الجراحي بشكل أفضل بما يخدم المريض من لو تم ذلك في سنوات متأخرة

هذه كلها إفتراضات، و ليس لهذه النظريات أيــة قرائن علمية سليمة…

في الواقع، لا تستند هذه النظريات الفقيرة إلا لنظرية محورية واحدة، و التي تم كشف زيفها منذ عقود…

هذه النظرية الزائفة ترجع للإفتراضات القديمة و الجدليّة أن الإنسان يولد جندرياً محايد (Gender Neutral)، و المقصود هنا بالـ “جندر” هو جنس العقل. هذه النظريات التي استندت أيضاً للتجارب على طفل (و تسببت له في معاناة طويلة) لمحاولة برهنتها، و التي آلت بالفشل رغم الإدعاء بالعكس (من قِبل صاحب النظرية المشؤومة و التجربة اللا-أخلاقية: د/ جون موني)، و الفضل يرجع لطبيب ذو خلق، طبيب إنساني، و ليس طبيباً متحذلق و لا طبيباً ساعياً للشهرة، و هو د/ ميلتون داياموند.

انظر: الجنس مجهول – Sex Unknown – فيلم وثائقي من قناة PBS عام 2001

مقتطف من تعليق “جالية ثنائيي الجنس بالقارة الشمال إمريكية” (ISNA) على الفيلم الوثائقي:

في 30 أكتوبر 2001، بثت شبكة خدمات الإرسال العامة PBS برنامجا تلفزيونيا بعنوان “الجنس: مجهول”، و هو فيلم وثائقي مدته ساعة واحدة تمحور حول الجدل القائم حول العلاج الجراحي للأطفال ثنائيي الجنس من دون وجود شخص ثنائي الجنس واحد (باستثناء رايمر ديفيد، الذي لم يكن ثنائيي الجنس ولكن تم التعامل معه على نحو مماثل). وكان الفيلم الوثائقي جزءا من برنامج تلفزي علمي اسمه نوفا NOVA، وهو من أكثر البرامج العلمية مشاهدة في العالم ومن أكثر البرامج الوثائقية مشاهدة على شبكة PBS وذلك وفقا للمحطة، وقد ركز البرنامج على الأساس البيولوجي للهوية الجنسية، و لأنه من المستحيل التحكم في هوية الطفل الجنسية، لا يجب أن نحدد جراحيا جنسا ما للأطفال حتى نتيقّن من هويتهم الجندرية.

ومع ذلك، هذا المنهج التفكيري يتجاهل تماما حقيقة ان العمليات الجراحية الغير ضرورية على الأعضاء التناسلية للأطفال تتسبب بالضرورة في ندبات جسدية و عاطفية وكذلك تقليص أو فقدان الشعور والإحساس، وتنتهك حق الطفل في الموافقة المستنيرة و الكمال الجسدي. فمن المحال أن يتم تربيته على هوية لا تتطابق مع الهوية الجندرية التي يشعر بها، ولكن هذا ليس هو المشكل الوحيد المحتمل مع البروتوكول الطبي القائم على التغطية و الكتمان. انظر المقارنة بين النموذج القائم على التغطية و الكتمان (الحالي) و النموذج العلاجي التي يركز على الحالة (الذي ننادي به).

و أقتبس هنا الكلمات الجميلة والحكيمة عن د/ محمد رحال في أحد مقالاته:

ان معرفة الجسم ان كان مؤنثا اوذكوريا لا تأتي عن طريق الكشف العضوي فقط وانما لها عدة اشكال اولها الكشف العضوي التناسلي المباشر ثم الكشف الجيني والذي يتحدد منذ بداية التلقيح , ثم الجنس المخي والذي تحكمه شيفرات خاصة لم يتمكن العلم من تحديدها تماما والمتعلقة بالنويات القاعدية , ثم ياتي سلوك الجنس النفسي , واخيرا الجنس الاجتماعي , وان تعارض اي من هذه العناصر مع العناصر الاخرى هذا يعني ان هناك خللا ما يتطلب حله وعلاجا طبيا او نفسيا دون تدخل الشرع , باعتباره تصحيح وضع خاطئ مصدره تخبيص الانسان وليس خلق الله احسن الخالقين, مع مراعاة ان شكل العضو الذكري او الانثوي هو جزء من خمسة اشياء يجب الاهتمام بها قبل الحكم النهائي على قضايا شائكة كهذه وهي امور يحددها الشخص ذاته من خلال فهمه لذاته واحساسه بذاته , ولن يستطيع بشر ما ان يفهم ذات الاخر اكثر من الشخص نفسه مهما بلغ من العلم.

و نستدل أيضاً بمباديء أكبر تجمّع في العالم لثنائيي الجنس، و هي مباديء منظمة ثنائيي الجنس العالمية (Organization Intersex International):

• ثنائية الجنس ليست حالة مرضية: ثنائية الجنس تشير للذين ولدوا بجنس وسط، بين ما يعتبر معيارا للذكر والأنثى في في مجتمعاتنا، نعني بجنس وسط وجود إختلافات عن المعايير المعهودة، قد تكون إختلافات عضوية، صبغية أو إختلافات في الخصائص الجنسية الثانوية أو غيرها من الإختلافات التي نعرفها أو لا نعرفها و التي لا تحدد بشكل قاطع كذكر أو أنثى حسب المعايير المقبولة إجتماعياً.

• على عكس ما هو سائد، ثنائية الجنس ليست بتشوه أو عاهة، هي ببساطة تباينات للجسم البشري مماثلة لطول الانف أو لون العيون.

• نحن نرفض أي تصنيف مرضي لثنائية الجنس ففي حقيقة الأمر، هي ليست إلا إختلافات جينية طبيعية.

• نحن نعترض على العلاج القسري الذي تفرضه السلطات الطبية على الرضّع و الأطفال، و نؤمن بأن ليس لأحد حق التدخل في هويتنا الجنسية.

• إن المشكلة لا تكمن في ثنائية الجنس إنما هي في عدم تقبل المجتمع لها، الخطورة تنبع من أننا نحرم إنساناً من أبسط حقوقه وهي أن يكون نفسه. المرض الحقيقي هو كره الاختلاف وليس الاختلاف في حد ذاته

رجوعاً لموضوع مجلة التخصصي و بدء ظهور التضارب في النظرية الإفتراضية الآنف ذكرها:

بداية من ص 12
الملخص: حالتين من نفس الأسرة اعتقد الأطباء عند ولادتهم أنهم ذكور، ثم تم التصحيح بعد البلوغ بشكل مختلف (بالرغم من أن كلاهما حاملين كروموزوات انثوية – 46XX – أحدهم تم تصحيحها لأنثى و الآخر إلى ذكر)

ص 12 – 14
لماذا اتخذ التقرار بهذا الشكل؟
د. بسام: اعتمدنا على الأعضاء التناسلية الخارجية كون شكلها ذكرياً إلى حد كبير، و الميول الذكرية للطفل و نتائج التحليل النفسي التي أوضحت ذلك و رغبة الأم و الأب، فضلاً عن رغبة الطفل، و هو أمر مهم جداً في المسألة. و هنا نستطيع الرجوع إلى رغبة المريض، ففي الصغر قد لا نتمكن من ذلك، لكن هنا و في هذا العمر يمكننا ذلك. و الآن هذا الطفل يدرس في مدارس الذكور و له ميول ذكرية، و يرغب الإقتران بأنثى كزوجة، و هو لديه هرمونات ذكرية مرتفعة. و هنا نقطة مهمة جداً يجب الإشارة إليها، و هي أن الذكر لا تحدده الكروموزومات، و لا تحدده الأعضاء التناسلية الداخلية، و لا حتى أحياناً الأعضاء الخارجية.. فميول الإنسان العقلية أهم شيء، خصوصاً عند التحويل المتأخر للحالة. فميول هذا الطفل كانت ذكرية و منبعها زيادة إفراط الهرمون الذكري على مدى 11 عاماً، ما أعطاه هوية ذكرية بحتة، و لو حاولنا إرجاعه إلى أصله الكروموزمي الجيني فقد يحدث لديه نوع من الإحباط النفسي الكبير، الأمر الذي يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة.

تنويه: النتائج “الغير مرغوبة” هذه قد تصل للإنعزال التام عن المجتمع و فقدان القدرة على ممارسة أي وظائف حياتيه و ربما أيضاً فقدان الرغبة في الحياة و من ثمّ الإندفاع للإنتحار…

كلام د. بسام في غالبه كلام موزون و لا غبار عليه. أقول في غالبه لأن الإقرار بأن ميول الطفل منبعها “زيادة إفراط الهرمون الذكري على مدى … عام” هو مجرد إفتراض في أفضل أحواله، و لا دليل علمي دقيق كما ذكرنا آنفاً يبرهن على تلك النظرية؛ النظرية التي تفترض أن الهوية الجندرية (جنس العقل) يكون محايداً عن الولادة…

د. عبد العالي: أنا أعتقد أن من أهم العوامل لتحديد الجنس الأمثل للطفل الذي يعاني مثل تلك الظروف و بعد عدة سنوات من الولادة، هو نظرة الطفل لنفسه، و هل يرى نفسه ذكراً أو أنثى، بمعنى ما هي ميوله العقلية. و نحن طبعاً، كجراحين، نأخذ في الحسبان تقييم الطفل من قبل استشاري أمراض الغدد، و من قبل الأطباء النفسيين، و بقية الفحوصات الضرورية المطلوبة.

يعني نرى إقراراً هنا أن إقرار الطفل بذاته و هويته هي أهم العوامل لتحديد جنسه. أليس ذلك سبباً كافياً للعدول عن التدخل الجراحي المبكّر (عند الولادة) ؟

د. الحربش: كما ذكرنا في بداية الندوة و هو أن تحديد الجنس الصحيح لا يعتمد على عامل واحد.. فليست الكروموزومات فقط، وليست الخصيتين و المبايض فقط، و ليست الأعضاء التناسلية الخارجية فقط، و أضيف هنا وليس التقييم النفسي فقط. أنا فهمت من بعض الزملاء هنا أن التقييم النفسي عليه وزن كبير لكني أخالفهم في ذلك، فهو عامل من ضمن العوامل وليس العامل الوحيد. و كذلك هناك نقاط مهمة في هذا الإطار منها ضمان قدرة الجراح على إعطاء نتائج جراحية طيبة، و رأي الأب و الأم. و قد يدخل هنا أيضاً رأي الطفل، و قضية المرجع الشرعي في هذا الموضوع. فأعتقد أن كل تلك العوامل يجب أن تحظى بالإهتمام نفسه.

السؤال الذي يطرح نفيه هنا هو: ما علاقة أو دخل رأي الأب أو الأم، أو رأي المرجع الشرعي، في تحديد جنس إنسان لنفسه؟ ما هذا المنطق.. أدخلنا كل من هب و دب لتحديد جنس إنسان قادر على تحديد جنسه بنفسه، ثم نقول “و قد يدخل هنا أيضاً رأي الطفل”؟ و قد؟!!! نحن لسنا بصدد إختيار لعبة أو درّاجة للطفل، نحن نتكلّم عن مصير حياة إنسان، و نقول الأب و الأم والمرجع الشرعي؟

نتذكّر هنا تصريحات د.الحربش نفسه في ص 8، تحديداً:
1. تتعامل مع طفل لا تستطيع أنت كبشر أن تقول هذا ولد أو بنت
2. فيكون تحديد الجنس مبنياً على قيم قد تنشأ بقرار من الأهل أو من الطبيب المباشر للحالة، أو من أطباء متخصصين

لاحظ التضارب بين 1. الواقع، 2. الإفتراض… و كذا إقحام “رأي الأب و الأم” و “المرجع الشرعي”، للإفتقار للمنطق أو الحجة العلمية السليمة.. هنا يبدأ التستّر بعباءة الدين و المرجع الشرعي و اللف و الدوران..

لكن يا دكتور عبد الله الحربش ماذا عن الحالتين السابقتين التي عرضنا لهما في هذه الندوة، و الإجرائين الطبيين المختلفين اللذين أجريا لكل حالة على حدة؟ هل تتفق مع ذلك؟
د.الحربش: أنا أتفق تمام الإتفاق مع الحالة الأولى، لكني أختلف مع ما تم في الحالة الثانية، و سبب ذلك هو وجود علامات أنثوية لهذا المخلوق من جميع النواحي ما عدا التشوه الخارجي الذي ربما لدى الزملاء الجراحين القدرة على تصحيحه، و ما عدا الميول النفسية التي ذكرت من قبل الأطباء النفسانيين. لكن إذا رجعنا إلى القواعد الطبية و القواعد الشرعية فرأيي الشخصي في مثل الحالة الثانية أن تصحح و تعاد إلى أنثى كما جرى مع الحالة الأولى.

الآن تحوّل بقدرة قادر “رأي” الأم و الأب و “المرجع الشرعي” إلى “القواعد” الطبية و الشرعية.

أيضاً تم إقحام اللفظ “مخلوق”، و كأنه ينتقصه من “إنسان” إلى شيء ما آخر…

أتسائل، ألا تُبنى “القواعد الشرعية” في مثل هذا الشأن على العلم؟ أم أن المشرّعون يُلهمهم وحيٌ ليقرروا لإنسان ما ينبغي أن يكون جنسه؟

إذ الطفل يقرّ بهويته كذكر، و يعيش كذكر، و الأهل يرونه كذكر، و يمارس حياته طبيعياً كذكر، و أصدقائه من الذكور، تقول أنت بمنتهي البساطة أن عليه أن يُنتشل من هذه الحياة، التي هو سعيد و مرتاح تماماً فيها، لأنك ترى أن حرفين ما في كروموزماته (XX) لا يتماشيا مع توقعاتك له؟

سؤال علمي هنا للدكتور الحربش، لماذا تقرّ الفئة الغالبة من النساء اللاتي ولدن بتلازمة المناعة الأندروجينية (Androgen Insensitivity Syndrome) بأنهم نساء، بالرغم أنهم أيضاً يولدون بلا رحم و لديهم خصيات مختفية (و التي يتم إستئصالها أحياناً بعد إكتشافها بموافقة صاحبة الحالة) و بالرغم من أن كروموزوماتهم كروموزومات ذكورية (XY) ؟

الإجابة بسيطة جداً، و هي لأنهم نساءاً و هن يقرّون بذلك، و لأن الكروموزومات ليست قاعدة عامة، و ليس الإستثناء على حالات تلازمة المناعة الأندروجينية فقط، و لكن هذا موضوع آخر و خارج نطاق موضوعنا المتناول.

سؤال آخر موجّه للدكتور الحربش: إلى أي قواعد طبيّة يستند المرجع الشرعي في هذه الحالات التي تتضارب فيها الهوية التي يقرّ بها صاحب الحالة مع ما تقرره؟ أشير هنا للمرجع الشرعي الذي يستند للتحويل “للجنس الغالب”، و الذي قد يختلف كثيراً ترجمته بين أخصائي غدد و أخصائي نفساني و أخصائي جراحة و إنسان و والدين.. أليست هذه “القواعد الشرعية” راجعة لـ “قواعد طبية” عتيقة؟ أليس على عاتقكم مراجعة هذه “القواعد” التي تستند لإفتراضات أزلية قد تم نفيها منذ عقود من الزمان؟ كيف ستشعر يا دكتور عندما تصرّ على رأيك على عكس رغبة المريض و تدمّر حياته بسبب إصرارك على رأيك؟ هل ستنام مرتاحاً لأن رأيك هو الذي طُبّق في شأن إتخاذ القرار و لا تأبه بمعاناته من جرّاء تعسّفك؟ نحن لا نتكلّم هنا من جانب طبي و علمي فقط (إستناداً أيضاً لرأي النفسانيين)، بل نتكلّم أيضاً من جانب إنساني و أخلاقي…

هذا يجرنا إلى سؤال: هل الرأي الشخصي للطبيب هو الفيصل، أم أن هناك مدرسة طبية مرجعية في هذا الشأن، أم أنه لا يكتفى بالبروتوكولات الطبية و يلجاً إلى رأي ديني لحسم المسألة؟
د.الحربش: ربما أن الطبيب المعالج، و هو غالباً استشاري غدد الأطفال، هو المسؤول عن عمل الفحوصات، فيكون المعني أمام الأهل في عملية صنع القرار، لكن صنع القرار يجب أن يكون عبر فريق متخصص كما ذكرنا في بداية الندوة هذه، و يتم طرح جميع المعطيات و بناء عليها يقال ما هو الأفضل للحالة المرضية، و أرى أنه يرجع إلى القواعد الشرعية.
و حقيقة أنا لدي خبرة محدودة في هذا الأمر، فقبل عدة سنوات بذلت جهداً لكي أحصل على الرأي الشرعي بطريقة واضحة من قبل مشائخنا الكرام و اتصلت على فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله، و قابلته مرتين و لم يعطني الجواب في الجلسة و قبله قابلت الشيخ عبد الرازق عفيفي، رحمه الله، و الذي أحالني للشيخ بن باز الذي أشار إلى أن المسألة تحتاج أن تحال للهيئة الدائمة لكبار العلماء. فحاولت حضور الجلسة لكنها كانت مغلقة و حين خرج المشائخ سألت فضيلة المرحوم الشيخ بن باز الذي قال لي إنه لم يبت في الأمر، لكنه أحيل إلى اللجنة الدائمة أو ما شابه، و التي تجتمع بشكل سنوي. و استمررت في متابعة الموضوع حتى جاءني رد على خطابي المكتوب بشكل مفصل لمثل تلك الحالات التي تحدثنا عنها، محاولة مني لوضع المشائخ في الفهم التفصيلي و تشعباته حتى تكون الرؤية واضحة لهم للفتيان.
و هنا أود أن أشير إلى أن الكتب الفقهية القديمة فيها كلام كثير لكنه يعتمد على الأعضاء التناسلية الخارجية فقط. و عندما جاءني الرد بعد عامين من خطابي اكتشفت أن هناك قراراً في المسألة من الهيئة العامة لكبار العلماء و فيه نقطتان. و يبدو أن أحد الزملاء الأطباء واسمه الدكتور إبراهيم الحفظي، وهو استشاري في طب الأطفال و يعمل في خميس مشيط، كان قد سبقني في إثارة الموضوع لدي المشائخ. و في النقطة الأولى التي جائت في الرد ذكروا أن تحويل الذكر كامل الذكورة و الأنثى كاملة الأنثوثة إلى العكس أمر محرم شرعاً. و هذا على كل حال ليس محور النقاش هنا. و في النقطة الثانية قالوا أما من من اجتمع في أعضائه علامات النساء و الرجال فينظر فيه إلى الغالب من حاله، فإن غلبت عليه علامات الذكورة فيجوز علاجه طبياً بما يزيل الإشتباه في ذكورته، و من غلبت عليه علامات الأنوثة جاز علاجه طبياً بما يزيل الإشتباه في أنوثته، سواء كان ذلك بواسطة الجراحة أو الهرمونات. و ختموا أن النتائج لا بد أن يعرف بها المريض أو ولي أمره.

أعتقد أنه كما ذكرت، هذه “القواعد الشرعية” راجعة لـ “قواعد طبية” عتيقة، و هي قواعد تستند لإفتراضات مبسّطة تبسيطاً شديداً، ببساطة أشد، لأن الشيوخ ليس من شأنهم الحكم في التفاصيل الطبيّة لأنها ليست اختصاصهم.

و هنا أمتثل بحديثه صلى الله عليه وسلم: {تعالجوا و لا تتكلموا}

كثرة الكلام و التعقيد و إقحام كل من هب و دب ما عدا الشخص نفسه ليقرّ بنفسه ما هي هويته هو السبب في هذا التضارب و هذه التداخلات، و الأمر في رأيي ليس بحاجة لكل هذا التعقيد.. ببساطة شديدة، اترك الأمر للطفل ليقرره، عند بلوغه سناً مناسباً لتحديد هويته بنفسه…

و ظاهر هذا الكلام أنهم تركوا الأمر للأطباء في مسألة غلبة الحالة المناسبة للمريض لكن لو أردت رأيي أنا شخصياً فالذي يولد و عنده كروموزومات أنثوية و الأعضاء الداخلية مبايض و رحم، و الأعضاء الخارجية فيها تشوه ناجم عن نقص إنزيم معيّن في الغدة الكظرية و يمكن علاجه فيجب أن يصحح إلى أنثى، و حسب علمي أن الجراحين قادرون على عمل الجراحة في الأعضاء التناسلية الخارجية و تصحيحها إلى أنثوية. و يبقى العامل النفسي و الهوية التي تشكلت لدى الطفل، سواء نظرته إلى نفسه كذكر أو أنثى، و هي مسألة مهمة لا أستهين بها، لكنها ليست العامل الوحيد. و أعتقد أن لدى الأطباء النفسانيين القدرة الكاملة على تهيئة مثل هؤلاء الأطفال لتقبل ما أسميه الجنس الأصلي أو الصحيح. و رغم أننا أشرنا سابقاً إلى أهمية أخذ رأي الأب و الأم في هذه المسألة، لكن و للأسف أن الوالدين في غالب الأحوال يقولون “اللي تشوفه يا دكتور صحيح افعله”، فيلقون بالمسؤولية على الطبيب.

مرة أخرى إفتراضات و إعتقادات شخصية يتم إتخاذها كـ “قواعد طبية”، بالرغم من أن هذه النظرية تم إثبات زيفها – كما ناقشنا سابقاً في موضوع تجارب د/ جون موني و ضحدها من قبل متابعة د/ ميلتون داياموند للحالة.

و ربما تغلب أيضاً رؤية اجتماعية ثقافية، بمعنى أن الأب يريد ابناً ذكراً فيبقيه ذكر و هكذا فما رأيكم؟
د.الحربش: نعم.. لا شك في ذلك. سأعطيك مثالاً: إذا كان هذا المخلوق أول مولود للأب و سمي فلاناً وعرف بأبي فلان، فكيف يظهر إلى المجتمع و يقول فلان تغير إلى فلانة.. الأمر هنا ليس سهلاً لا اجتماعياً و لا نفسياً. لكن على الطبيب المعالج أن يرجع إلى جميع المعايير.

يعني الرجوع لـ “رأي الأب و الأم” في مجتمع كهذا (و هو ليس مقتصر على مجتمع عربي بعينه) في حد ذاته شقّ الطريق لكارثة طبية و أخلاقية و دينية… خصوصاً إذا ما كان الطبيب يقول لهم “مخلوق”..

إذاً هنا يعد الطبيب المعالج حجر الزاوية في صنع القرار، مع اعتبار العوامل الأخرى التي تم التطريق إليها في الندوة.. و هو ما يجعله يرجح الحالة المثلى للمريض، و السؤال: لماذا يا دكتور عبد الله الحربش تصر في حالة الطفل الذي أبقى عليه ذكراً رغم أن أعضاءه الداخلية أنثوية بعد الإستشارة النفسية و ترى أنه كان يمكن أن يصحح إلى أنثى؟

د.الحربش: أعتقد لو عمل الأطباء النفسانيون كثيراً على محاولة إقناعة لربما تمكنوا من ذلك. و هناك عامل آخر في مجتمعنا يجب أن نعترف به و هو أنه من السهل الإقناع لمن نشأ كأنثى أن يصحح إلى ذكر، بينما من نشأ كذكر ثم أريد تصحيح جنسه إلى أنثى أمر بالغ الصعوبة على المستوى الإجتماعي و من نواح نفسيه وسلوكية، و لكنه ممكن.

“لربما”.. إفتراض آخر.. هي كلها سلسلة افتراضات، و هذا في رأيي ما يصنع الكوارث… افتراضات تؤخذ على محمل قواعد ثابته، تحدث الكوارث الطبية للأطفال في طفولتهم، و عندما يبلغوا و يرشدوا و تتكشّف هويتهم الحقيقية و يكتشفوا ما حدث لهم في طفولتهم، تكون السجلات الطبية قد طُمست، و لا مجال لمحاسبة طبيب أو مرجع ديني، لأنها جريمة بدون أدلة باقية، و لن تساعد أي من الجهات المعنيّة في إدانة ذاتها..

د. الأشول: يجب أن نوضح هنا للقراء أن المسألة ليست تعديل الجنس، أو تحويله من أجل الرغبة في التحويل، لكنه تصحيح لخلل و تشوهات مختلفة حدثت للطفل جعلته في حالة غير طبيعية. الأمر الآخر بالنسبة إلى الحالتين اللتين تحدثنا عنهما تحديداً في هذه الندوة، أو الحالات المشابهة الأخرى هو صعوبة العملية الجراحية في سن العشر سنوات أو أقل حتى من ذلك. فمثلاً الطفل الذي أنشيء كذكر طوال تلك الفترة من الصعوبة أن يتقبل تصحيحه إلى أنثى، فضلاً عن المسائل الجراحية لتحويل أعضائه التناسلية إلى أنثوية، و إعادة خلقها، فضلاً عن المسائل الإجتماعية و النفسية التي ذكرها الدكتور الحربش.

مرة أخرى، إفتراضات تم تقريرها من خلال بعض “الآراء”، مبنيّة على نفس النظريّة الزائفة – وهم الجندر المحايد الذي يتم تشكيله كالصلصال. و الإذعان بأنها “حالة غير طبيعية” هو المبرر لشق أعضاء طفل رضيع “لتطبيعه” مع ما يراه الدكتور مناسباً مع رأيه (أو ربما ما يرغبه الأب أو الأم)…

د.الحربش: أنا لا أنكر الصعوبات التي ذكرت، سواء جراحية، أو نفسية، أو اجتماعية لكنني أتساءل إذا كان الأمر يحدث مع الذين يقومون بتعديل جنسهم في المجتمعات الأخرى من ذكور إلى إناث رغم أننا لا نقره جميعاً هنا إلا أن ذلك من شأنه أن يبين إمكانية التصحيح في اختلال الجنس عند الذين يعانون تشوهات في أعضائهم التناسلية.

و الآن لإفتقارنا للنظريات العلمية السليمة و الأبحاث و القدرة على القيام بجراحات تعدّ في مجتمعات “أخرى” عمليات سهلة و مضمونة، نمتثل بتفوقهم في مثل هذه المجالات، بالرغم من عدم إقرارناً له “جميعاً”…

**********

لدينا (للترانسكس) العديد من القرائن العلمية و الأبحاث، من أقسام متعددة من تشريح المخ و تفاعل الأعصاب [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16]

و كذا بحثاً ضخماً عن الجين المستقبل للأندروجينات في المصححات الترانسكس [17]

و ما زلنا حتى اليوم كما كنا منذ أربع سنوات – لا نقرّه جميعاً…

أتسائل، كم من الأبحاث و القرائن العلمية الواضحة جلياً نحتاج للإقرار بواقع علمي لا حجة عليه سوى افتراضات أزلية لا يدعمها دليل طبي واحد؟ أعتقد بأنه نفس موضوع الإصرار على الرأي و تفادي المسائلة من خلال التوجيهات الخاطئة، و لذا فلن أدهش أو أتعجّب إطلاقاً إذا قوبلت بالرد المعتاد: “رأي الشرع و الدين و المجتمع و الأهل و الأطباء و إلخ”.. هي دائرة مغلقة و اسطوانة مشروخة اعتدنا على سماعها..

د.عبد العالي: لدي تعليق في هذا الإطار، و هو أنني دائماً كجراح أحيل مثل هذه الاحالات إلى لجنة الاخلاقيات الطبية في المستشفى فبل أن أستأصل و أصحح تشوهاتهم التناسلية، سواء إلى ذكرية أو أنثوية، حتى آخذ الضوء الأخضر في هذا الطريق أو ذلك. فإذا توافق رأي لجنة الأخلاقيات مع ما طلبه الفريق المعالج من تصحيح جراحي فعلت، و إن اختلفت اللجنة مع رأي الفريق المعالج امتنعت.
لكن أنا الآن أسأل الدكتور الحربش إذا كان مثل هذا الطفل تحت تأثير الهرمون الذكري المنتج بصورة مفطرة في وجود كروموزوم أنثوي طوال 10 سنوات، أليس هذا كافياً أن تكون صبغة الدماغ لهذا الطفل ذكرية؟!

د.الحربش: طبعاً هناك الكثير من الأبحاث المختلفة في هذا الأمر، و أنا أعترف بأن ذلك عامل مؤثر لكنه ليس العامل الصعب تعديله. أود أن أذكر مثلاً في هذا السياق: قد كانت تواجهنا بعض الحالات لأطفال في حالات مشابهة في العيادة، و إذا طرح أمر تصحيح حالاتهم إلى أن يعودوا إناثاً يهددون بالإنتحار لكن بعد عمل الأطباء النفسانيين معهم لمدة تزيد عن عام اقتنعوا و تحمسوا والتحقوا في المدارس التي تناسب جنسهم الجديد سواء كذكور أو إناث.

تعترف بهذه “الأبحاث المختلفة” و لكنك لا تذكر بحثاً واحداً أو مصدراً أو حتى أي تفاصيل تبرهن على كلامك..

أتسائل، ما هو مقياس “الإقتناع و التحمّس”، و كم يدوم؟ هل تتابع هذه الحالات على مدار السنين؟ كم سنة؟ سنتين؟ خمس؟ عشرة؟ عشرون؟ هل ظلّوا على نفس هذا “الإقتناع” و التحمّس ؟

هذه ما إلا أكذوبة، و الدلائل لدينا، لأنني شخصياً ورد عليّ تقارير شخصية من حالات من السعودية كتلك التي تذعن “إقتناعها و تحمّسها” و التي تزوجت و فشلت في التأقلم مع جنسها الذي فرضتموه عليهم/عليهن، و للأسف، لا يسمع صوت غالب هؤلاء لأنهم يدفنون أحياء و تدمّر حياتهم جرّاء هذا التعسف في الرأي الطبي الفقير علمياً، هذا الطب الأعور الذي لا يعترف بأخطائه و لا يرى سوى بعين واحدة، فقط ما يرغب في رؤيته، و فقط للفترة المحدودة التي يرى أو يستمع فيها.

و هناك العديد من الحالات المشابهة التي لم تتعرض فقط للمعاناة بسبب التدخل الجراحي القسري في الطفولة، و إنما أيضاً للمعاناة نفسياً و أجتماعياً بسبب الوصم بالعار الناتج عن التصنيفات الكريهة كالـ “تشوّه” ، “عيوب خلقية” ، “مخلوق” ، “غير طبيعي” (كل ما ورد من تسميات في المقال و غيره). [18]

هل هناك حالات فعلاً هددت بالإنتحار بسبب المشكلة؟
د.الحربش: أنا أقول ينتقل الأمر من قضية التهديد بالإنتحار و الناجم عن عدم اقتناع كامل بتصحيح الجنس إلى اقتناع و تحمس إلى الوضع الجديد، و شاهدنا أكثر من حالة.

طيب.. هل هناك حالات أقدمت على الإنتحار بسبب تصحيح الجنس؟
د.الحربش: حسب علمي لا.

و هذا سببه إما التعامي أو عدم المتابعة.. في الواقع، مجتمعاتنا العربية هي آخر مجتمعات في العالم تقوم بإحصائيات عن أسباب الإنتحار الحقيقية، لأن العائلات غالباً ما تتكتّم على الخبر، و تلفّق أسباباً للوفاة حتى لا يقال “فلان/ة انتحر/ت”، بسبب الوصم بالعار على العائلة التي يُعرف أن فرد منها انتحر. ناهيك عن مجتمعات لا ترى الإنتحار إلا كطريق حتمي للجحيم…

ماذا عن الأطباء الجراحين.. فالدكتور الحربش يقول أن مسألة تصحيح الطفل الذي نشأ كذكر طوال عدة سنوات بسبب تشوهات أعضائه التناسلية رغم أنه من ناحية الكروموزمات أنثى أمر ليس مستحيلاً من الناحية الجراحية؟
د.المتحمي: هي مسألة ستكون أسهل جراحياً فيما لو تمت و الطفل صغير، و يفضل أن يتم التصحيح الجنسي خلال الثلاثة أشهر الأولى من الولادة لأن إجراءها فيما بعد تتضاعف صعوبته.

قبل أن يكتمل تكوّن أعضاء الطفل.. لا أعتقد أنها مسألة تضاعف الصعوبة، في رأيي الشخصي المتواضع، و إنما هو التأخر العلمي و الطبي و التقني لدينا، و تقوقعنا في طب القرون الماضية..

_____

ص 16

د.بسام: [...] و في حالة الطفل الذي أبقيناه ذكراً رغم أن كروموزوماته و أعضائه الداخلية أنثوية جرى نقاشها من قبل لجنة علمية مختصة تشمل أطباء الغدد الصماء والجراحة و الأطباء النفسانيين و اتخذ القرار بعد مناقشته مع الطفل و الأهل لما هو أمثل في حالته. و السؤال الذي يمكن أن يطرح: هل القرار الذي اتخذ قرار صائب أم لا؟ طبعاً الأمر يتعلق هنا بحالة غامضة و صحة القرار نسبية، بحيث ينظر إلى ما هو أفضل لهذا المريض تحديداً عطفاً على عدة عوامل تحدثنا عنها سابقاً. لكن ما يدل على صحة القرار هو ما تلاه. فالطفل و عمره الآن 17 عاماً يعيش حياة طبيعية كذكر و باسمه الذكري الذي تسمى به منذ الولادة، و يتمتع بأعضاء تناسلية ذكرية كاملة الذكورة، و له رغبة في الزواج كذكر، كما أنه يبحث عن عمل في المجال العسكري، فضلاً عن أن والديه مرتاحان لهذ القرار الذي اتخذ. و ما زلنا في المستشفى نتابع تلك الحالتين بعد عدةسنوات من العملية، و هما بوضع جيد، سواء التي جرى تصحيح أعضائها التناسلية إلى أنثى، أو الحالة الثانثية التي أبقى عليه كذكر رغم أن كرموزوماته أنثوية.

د.الحربش: النقطة التي يجب التركيز عليها أن القرار يجب أن يكون جماعياً و ليس فردياً في مثل هذه الحالات. فقد شاهدنا حالات أن المريض الذي يعاني مثل هذه التشوهات يذهب إلى الطبيب الذي يقول له سنستأصل لك الرحم إذا كان ظاهر أعضائه ذكرية دون الخوض في تفاصيل الفحوصات، ودون إعطائه الهرمونات اللازمة التي تكون في غالب الأحوال السبب في بقاء هذا الشخص على قيد الحياة.

أنتكلّم هنا عن حالة بخصوصيتها كحالة الـ Congenital Adrenal Hyperplasia و نقص الكورتيزون؟
أم نتكلم عن أكثر من 70 حالة من الإنترسكس تم إكتشافها حتى اليوم؟

لم أسمع إطلاقاً بإقرار طبي كهذا الذي يقول “الهرمونات اللازمة .. التي تكون في غالب الأحوال بقاء هذا الشخص على قيد الحياة”.

لو نتكلّم عن شخص ليس لديه خصيات أو مبايض فعّالة، أتفهّم الحاجة الماسة للعلاج الهرموني للوقاية من هشاشة العظام مثلاً، و لكنها ليست مسألة حياة أو موت، من وجهة نظر إختصاص الغدد الصمّاء على الأقل، و أنا مندهشة لهذا التصريح من د. الحربش، لأنه أخصائي غدد، و هذا الإدعاء مبالغة بكل المقاييس على أقل تقدير..

د.المتحمي: هناك حالة حولت إلينا في المستشفي التخصصي تنسجم مع ما يشير إليه الدكتور الحربش و هو طفل كانت كروموزوماته ذكريه، و لكن أعضاءه التناسلية الظاهرية غير واضحة، و جرى تحويله إلى أنثى و هو صغير في أحد المستشفيات بداخل المملكة، و أخذ القرار بواسطة طبيب الغدد و الجراح فقط. و نحن نواجه مشكلة في علاجه، حيث يقول أنا ذكر، و لا بد من إعادة تصحيح أعضائي التناسلية. و الحقيقة أن هذا الطفل من ناحية السلوك و الكروموزومات وجميع التحاليل الأخرى ذكر و يرى نفسه كذلك، لكن كانت مشكلته التشوهات الظاهرية إثر العمليات الجراحية بعد أن جرى تعديل تلك الأعضاء الظاهرية إلى أنثوية، و هو ليس لديه أعضاء أنثوية. و كانت الشبعة التي وقع فيها الطبيب أن لدى الطفل مبايض و خصيتين كانت متشابهتين في خلقهما و لم يكن التشخيص دقيقاً فحول إلى أنثى.

د. الأشول: هذه الحالة كشف عليها عند الولادة في أحد مستشفيات الممكلة ووجد اشتباه في الجنس، و بسبب عدم خبرة الأطباء الذين باشروا الحالة اعتقدوا، ووفقاً إلى النظرة الظاهرية، أنه أنثى و لم يدرسوا بقية الوظائف، أو يجرون تشخيصاً معمقاً و مفصلاً للحالة لمعرفة حقيقة الجنس. و نصح الطبيب المعالج أم الطفل حين كان عمره 3 أشهر بإجراء عملية جراحية و قطع العضو التناسلي الذكري، و إزالة ما اشتبه فيه من أنه خصيتان أو مبايض. و عندما حول إلينا الطفل في المستشفى التخصصي و كان عمره 13 سنة كان على أساس أنه فتاة و يحمل اسم أنثى، و قال لنا لن أخرج من العيادة إلا و أنا ذكر. و يبدو للعيان من شكله الخارجي أن صفاته ذكورية، بل إنه يتصرف كذكر من ناحية السلوك و الملبس و ما شابه. و قمنا بجهد كبير نحن كأطباء للغدد و زملاؤنا في الطب النفسي و الجراحين في سبيل إقناعه بوضعه الذي تم تعديله إليه و هو صغير إلا أنه يصر على تصحيح جنسه من أنثى إلى ذكر. في هذه الحالة يشعر الطفل نفسياً وعقلياً أنه ذكر و أهله مقتنعون أنه ذكر، و مكمن الصعوبة هو في إعادته إلى وضعه الصحيح الذي يناسبه عبر العمليات الجراحية بوضع قضيب اصطناعي بديلاً عن الذي جرى استئصاله. و ما جرى مع هذه الحالة يعد خطأ طبياً كبيراً، لأنه لم يؤخذ في الحسبان جميع العوامل المختلفة لإتخاذ القرار المناسب للمريض.

يا ترى ما رأي د. الحربش في هذا الشأن؟ ألم يرغب في التصريح عن رأيه؟ فهو كان مصرّاً بشدة أن عمل الأطباء النفسانيين معهم “لمدة تزيد عن عام” ستقنعهم و “تحمّسهم” و “تلحقهم في المدارس التي تناسب جنسهم الجديد سواء كذكور و إناث”… ألم يكن هذا كلام د. الحربش؟ هو من ذكر معاناة هذه الحالة أيضاً، أليس كذلك؟

إن لم يكن هذا الكيل بمكيالين، فلا أعرف ما هو …

في النهاية، أحب أن أوضّح و أؤكد أن ليس لدي مشكلة شخصية مع أي من الأطباء أو الجهات السابق ذكرها، و لأن الموضوع ذو أهمّية كبيرة نظراً لحجم و مكانة مستشفى الملك فهد التخصصي ليست هيّنة، و بما أن الكثير من الدول العربية تحذو حذوهم، فذلك يضع مسؤولية أكبر على عاتق هذه المؤسسة الكبيرة. و لأننا لا نرى مجالاً للتغيير الإيجابي في قضايانا في المجتمعات العربية كافة بدون أخذ الموقف الطبي و الإجتماعي و الديني بالمملكة السعودية عين الإعتبار، بذنا الكثير من الجهد في البحث و إعداد هذا التقرير، الذي أراه شخصياً مبسّط بشكل كبير نظراً لحجم المشاكل المتناولة و كمّها. و أخيراً، أتمنى أن لا يؤخذ هذا المقال على محمل التعنيف أو التصادم، و إنما كنداء إنساني لكل ذو قلب رحيم، و كل ذو عقل متفتح، و كل رجل رشيد.. بالطبع، لا نتوقّع تغييرات جذرية في يوم و ليلة، و لكن نأمل في أن نرى بصيص أمل ليوم غد مشرق…

2 تعليقات
أكتوبر 21, 2010
10:11 م
#1 منيره أو أصح عبدالرحمن :

أنآ تعبت من أكون أنثئ جسدين وكل شيء ذكر فيني لدرجه ان من
حولي يئمن انني ذكر ولكن القدر حكم ان يكون جسدي أنثئ مأاقدر أعيش كذا أبدآ والذي أريده هو الحل وكيف أخبر أهلي بهذا الأمر لأنني اتعذب وحاولت الانتحار فوق ثلاث مرات وللأسف لم
اموت فارجوكم أرجوكم ساعدوني لأني أعيش في عائله معروفه وفي السعوديه وأنا في 20 من عمري وبسبب هذا تأخرة كثير في دراستي ولأن أنآ في ثانويه وتعبت من الحياه المجهوله ثانيه أكون أنثئ وباقي الوقت ذكر ساعدوني أنآ اتعذب مأاقدر أعيش أكثر مٍْْـٍْْ ـٍْْنْْ كذا 20 سنه وأنا احارب بين جسدي ونفسي أنآ ذكر فيـﮯ أنثئ أرجوكم ساعدوني أبي كون عبدالرحمن مو منيره تكفون ياناس دخيلكم تكفون حسو فيني

ديسمبر 2, 2010
1:28 م
#2 سولاف :

هلابك اخوي الله كريم اخوي حنى موحودين معاك ونوقف معاك ان شاء الله تفرج ان شاء الله كلنا نفس حال مانقول الا حسبى الله ونعم وكيل مالنا غير صبر ونتحمل وباذن الله تفرج

أضف تعليق

الإسم

البريد الإلكتروني

الموقع

التدوينة السابقة
«
التدوينة التالية
»