ردنا المباشر على رسالة نقابة الأطباء


إلى السيد الفاضل/ أ.د. طه عبد الناصر محمد (و لكل من يهمه الأمر)
شكراً جزيلاً لكم على الرد, و لإسهابكم في الشرح و التمييز بين حالات الإنترسكس و الترانسكس, مع أنني لم أكن أقصد السؤال عن الأولى حيث أنني مطلعة كثيراً على تلك المواضيع من المنظور الطبي\جراحي و العلمي و أيضاً وضعها دينياً و إجتماعياً في مجتمعاتنا المصرية و العربية (و خبرة شخصية مع حالات كثيرة من عدة فئات من كِلا الطرفين).
لدي العديد من النقاط و المواضيع المتعلقة التي أبغي مناقشتها و لذا سأحاول الخوض مباشرة و بإختصار في الموضوع, و للرد و التعليق على بعض مما ورد في رسالتكم. و أرجو أن تعذروني إن كان أياً مما سأذكره فظاً نوعاً ما, فليس قصدي التجريح و لا الإساءة لأي جهة و إن إختلفنا في بعض الآراء, فالإختلاف في الرأي لا يفسد للودّ قضية.

أولاً, أحب أشير للتمييز بين بعض الفئات كما تصنفها الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) تحت قسم إضطراب الهوية الجنسية (GID) في الدليل التشخيصي للإضطرابات النفسية DSM-IV لإزالة بعض اللبس (مع الإشارة إلى أن هذا القسم من الدليل يخضع منذ زمن طويل للمراجعة و قابل للعديد من التغييرات سواء للتصحيح أو الحذف أو الإضافة.)


بعض الفئات المدرجة تحت قسم إضطراب الهوية الجنسية:
* فئة من يعانون من إضطراب نفسي حاد و واضح (كإنفصام الشخصية) و الذي قد يكون سبباً في خلل\عجز تحديد الهوية الجنسية لديهم.
* فئة المغايرين-للملبس (Transvestic Fetishism) من الرجال المغايرين-جنسياً (Heterosexual men) – أي الرجال الذين يميلون طبيعياً فقط للجنس الآخر (النساء) و لكن قد يغيروا-ملبسهم (عادة في خصوصية فقط) للولع و\أو الإثارة بإرتداء ملابس النساء أو كطريقة للتعامل مع الضغوط النفسية التي يعاني منها الرجال أو ربما لأسباب أخرى, و هذه ليست فئة نادرة – و قد يكون القليل من هذه الفئة يعاني من الوسواس القهري (Obsessive Compulsive Disorder) و الذي يمكن السيطرة عليه بالدواء, و لكن ذلك لا يشفي سلوك مغايرة-الملبس (Cross-dressing behavior) . و على عكس ما قد يظن البعض, فمن النادر جداً أن يكون رجلاً من هذه الفئة مثلي-الميول-الجنسية (Homosexual). و أيضاً من النادر جداً أن يذكر أحدهم رغبته في “تحويل” جنسه, و إن وجد فتكون عادة مجرد تخيلات للإثارة الجنسية أو نزوات عابرة.
* فئة شاملة (كثيراً ما تسمى “الترانسجندر“) منهم فئة الذين لا يحددون هويتهم بجنس من الإثنين, أو كلا الهويتين الجنسيتين (وليس شرطاً أن يكونوا مشخصين “إنترسكس” طبياً), و فئة “الترانسكس” – الذين يجتمعوا على إقرارهم بأن “هويتهم الجندرية” هي عكس “جنسهم البيولوجي” الذي ولدوا عليه, أي أن جنس المخ عكس جنس الجسد, و لذا كثيراً ما يُعتبر إضطراب الهوية الجنسية لحالات الترانسكس نتيجة لذلك التضارب و ليس سبباً في وجوده, و تعترف الجمعية الأمريكية للطب النفسي بالأضرار المحتملة كتحميل وصمة عار إجتماعية على أصحاب الحالات بسبب ربطها باللفظ “إضطراب نفسي“. و لذلك توجد عدة جهات طبية داخل الجمعية نفسها و أخرى حقوقية خارجها لمراجعة ما ورد فيها من لغة و مصطلحات و لجنة إصلاح مخصصة لذلك, و منهم فئة كبيرة يهدفون لحذف الترانسكس تماماً كما حذفت المثلية-الجنسية منها سابقاً في السبعينيات, و البعض الآخر يعتبر وجودها في الدليل مجرد وسيلة لتشخيص الترانسكس و ليس أكثر.

إستقلاية الهوية-الجندرية عن الميول\الهوية-الجنسية, و بعض المصطلحات المتعلقة
بعد أن إعترفت الجمعية الأمريكية للطب النفسي بأن المثلية-الجنسية (Homosexuality) لا تعتبر إضطراباً أو مرضاً نفسياً و تم حذفها في أوائل السبعينيات, تم مراجعة العديد من المراجع و أهم ما تشير إليه هي إستقلالية الهوية-الجندرية (Gender Identity) عن الميول\الهوية-الجنسية (Sexual Orientation). و هنا أحاول أن أصل لإزالة الخلط المعتاد عربياً بين الميول الجنسية و الهوية الجندرية. يعني ليس ضرورياً أن يكون الرجل-المثلي “متأنّث” (feminine), بل بالعكس, فأغلب الرجال-المثليين يعتزون برجولتهم كالرجال المغايرون-جنسياً (Heterosexuals) و لا يحبون التشبه بالنساء على عكس الإنطباع السائد في مجتمعاتنا, مع وجود نسب قليلة “مختلفة”. و طبعاً العكس صحيح بالنسبة للنساء-المثليات, فليس ضرورياً أن يكونوا “خشنين” أو “مسترجلين” (masculine) كالرجال, بل يكون أكثرهن في معدل الأنوثة الطبيعي بين النساء المغايرات-جنسياً. و من الشائع أن يقرّ أياً من الفئتين (المثليين أو المثلييات) “إشمئزازهم أو نفورهم التام” من جسد أو أعضاء الجنس الآخر. و طبعاً توجد فئة مزدوجي-الميول-الجنسية (Bisexuals) من كلا الجنسين. و قد ذكرت تلك المصطلحات العربية الشائعة كبديلاً للفظ السلبي و المهين لإنسانية الإنسان (شذوذ\شواذ) للتعبير عن الفئات “المختلفة” عن الفئة المعهودة إجتماعياً – المغايرين-جنسياً (Heterosexuals), و لأن إستخدام لفظ “شذوذ” للتعبير عن المثلية الجنسية لا يليق إستخدامه خصوصاً من طرف نخبة المجتمع سواء من أطباء و أساتذة و إختصاصيين أو غيرهم. لا بد من التنويه بأن إستعمال المصطلح “شذوذ جنسي” (sexual deviance) هو ليس له علاقة بالمثليين و المثليات على الإطلاق و أن المجتمع يستعمل هذا المصطلح عمداً أو عن جهل للاساءة للمثليين أو ليطمس معنى الشذوذ الجنسي الذي يشير بأصبع الإتهام للمجتمع و ذلك يعني الإغتصاب, و إغتصاب أو تزويج القاصرات أو الأطفال (pedophilia), وكذلك جماع الأب لبناته وانجاب الاطفال منهن (incest). اذاً فهذا هو الشذوذ الجنسي.
و أؤكد أنه لا يرغب أبداً رجل مثلي أو إمرآة مثلية في تغيير جنسهم. على سبيل المثال, صدرت سابقاً الكثير من الإتهامات الموجهة لدولة إيران وُصفت فيها بقمع و إضطهاد المثليين و محاولة فرضهم للخضوع لعمليات تغيير جنس أو تهديدهم بالإعدام و ذلك, مع صحة بعضه, به بعض من اللبس و تشويه الحقائق. الدكتور بهرام مير-جلالي (جرّاح مركز ميرداماد في طهران – و المتخصص في عمليات تصحيح الجنس) يذكر أنه يروي للمريض كل الويلات و العواقب الكثيرة و المخاطر التي يمكن أن تحدث أثناء الجراحة أو بعدها (كما يفعل أي جراح قبل إجراء هذه العملية في أي دولة أخرى), فيصبح من المستحيل أن يخضع أحد الرجال أو تخضع إحدى النساء للجراحة حتى و لو كان\ت مثلي\ة… و يقول الدكتور: “أنا أقول لهم الكثير و الكثير من العبارات المخيفة و أن هذه الجراحة باب جحيم و أن هذه مجرد البداية , فيفر الرجال بعد الجملة الثانية أو الثالثة عادة قائلين “لا أريد تشوية نفسي أو جسدي” , أما من منهم من مرضى الترانسكس الحقيقيين (صاحبي الهوية الأنثوية) فيقولون هذا ما نريد و سنتحمل ما علينا أن نتحمل فهذا لا يعدو شيئاً مقارنةً بما عانيناه و ما نعانيه”.
و بعد إذن سيادتكم, أحب أن أقترح بدائل لمصطلحين ذُكروا في رسالتكم و هما “ترانسكس ذكر” و “ترانسكس أنثى”, لأن المصطلح لم أقرأه أو أسمع عنه من قبل و أيضاً غير واضح, و الأكثر إستخداماً:
ترانسكس ذكر-لإنثى” أو “ترانسكس أنثى-لذكر” (MTF or FTM transsexual)
أو “ترانس-رجال” (trans-men) للإيماء بالمصححين (أو “المتحولين” إن شئتم التعبير) من أنثى-لذكر, و “ترانس-نساء” (trans-women)للمصححات من ذكر-لأنثى, فذلك أشيع إستخداماً و مقبولاً أكثر, خصوصاً بين مَن صححوا جنسهم (أو تحولوا كاملاً) لتفادي ما يحمله لفظ “ترانسكس” أو “ترانسكشوال” من سوء فهم أو خلط بإنحرافات جنسية أو طريقة حياة مختلفة إلخ… فعنائهم كله كان بهدف تقبلهم كرجال أو نساء و ليس كشيئاً آخر.

هل توجد أسس أو عوامل بيولوجية للهوية-الجندرية؟ و ما علاقتها بالترانسكس؟
ما تزال تُجرى أبحاث بيولوجية للتعرّف على عوامل ثابته لتحديد الهوية الجندرية\الجنسية, مثلاً كتكوين معين في قسم من أقسام المخ أو في الجينات. على الأقل أشارت نتائج بحث واحد كبير و واسع في هولندا (و شاركت فيه عدة دول أخرى) في عام 1997 من تشريح المخ وجود عامل واحد على الأقل لإختلاف الجنس في المخ البشري و علاقته بالترانسكس (بغضّ النظر عن الميول-الجنسية و بغضّ النظر عن تأثير الهرمونات كإختلاف حجم المخ), و كان ذلك البحث بعنوان:
Male-to-Female Transsexuals Have Female Neuron Numbers in a Limbic Nucleus

و صدرت نتائج بحث جديد في أكتوبر 2008 في أستراليا ذُكر فيه أن الباحثون الإستراليون وجدوا صلة هامة بين جين متدخل في مفعول الهرمون الذكوري تيستوستيرون و ترانسكس الذكور-إلى-إناث.
و في البحث, أشارت تحليلات الحمض النووي من 112 حالة ترانسكس ذكور-إلى-إناث متطوعين أنهن أكثر إحتمالاً أن يكون لهن نسخة أطول من الجين المستقبل للأندروجينات. و أعلن الفريق في مجلة “الطب النفسي البيولوجي” أن هذا الإختلاف الجيني قد يكون سبباً في إشارات أضعف للهرمون الذكوري تيستوستيرون. و بالرغم من ذلك, أكدوا أن جينات أخرى قد تلعب دوراً مماثلاً. فنرى أن بصورة متزايدة تتورط عوامل بيولوجية أخرى في تحديد الهوية الجنسية و تشير إلى عوامل بيولوجية للترانسكشواليزم.

الهوية الجندرية و الميول\الهوية الجنسية و علاقتهم بالترانسكس
أولاً, أحب أن أضيف بعض التعليقات المباشرة عن جزء ورد في رسالتكم, إن سمحتم لي الإقتباس:
وتجدر الإشارة بأن الكثير من هذه الحالات إما ناتجه عن اضطرابات وأمراض نفسية كحالات الوسواس القهري وغيرها ، أو حالات لديها شذوذ جنسي كالمثليه في الرجل Homosexual والكثير منهم يمارس اللواط أو قد تكون المرأة سحاقية desbian وتمارس السحاق مع أمراة أخرى“.
أتسائل عن مصدر هذه المعلومات, أولاً لأنني متأكدة من عدم وجود ذِكر أي صلة بين المثلية الجنسية و الترانسكس\الترانسجندر في قسم “إضطراب الهوية الجنسية” بالدليل التشخيصي, و ثانياً: لماذا تعتبرون ذلك سبباً للإضطراب و ليس نتيجة طبيعية؟ مثلاً بسبب التعسّف و النبذ و رفض المجتمع أو رفض الكثير من الأطباء لمساعدة أو لعلاج هذه الحالات و مساعدتهم أو تفهم حاجتهم الملحة لتصحيح جنسهم؟ يعني أستعجب؟ أليس ذلك الإحتمال الوارد الذي قد نتوقعه في حالة رفض تحويلهم أو تقبلهم كالجنس الآخر؟؟
ثم أنني متأكدة من وجود نسبة ليست بضئيلة من الترانسكس ذكور-لإناث يميلون جنسياً فقط للإناث, و ترانسكس إناث-لذكور يميلون فقط للذكور, أي أن هويتهم الجندرية ليست فقط عكس جنسهم البيولوجي الذي ولدوا فيه, و لكن في ذات الوقت تكون ميولهم الجنسية ميول مطابقة للمثلية كميول المرأة لأخرى أو الرجل لآخر, و ليست كالميول-الجنسية-المغايرة (من الذكور للأناث أو الإناث للذكور).
طبعاً قد يتسائل الكثير: لماذا يتحول ذكر لأنثى إذا كان يميل جنسياً للنساء فقط؟ أو قد يتسائل لماذا تتحول أنثى لذكر إذا كانت تميل فقط للذكور؟
و الرد بسيط جداً, كما ذُكر سابقاً: الهوية الجندرية (Gender Identity) مستقلة عن الميول الجنسية (Sexual Orientation) و ليست قاعدة شاملة أن تحدد الأولى الثانية. و طبعاً هذا شيء يرفض أن يعترف به الكثير من مجتمعاتنا, أو يصعب فهمه لعدة عوامل و عوائق معروفة, و ذلك شيء مفهوم و لا أتوقع تغيير جذري في ذلك الرأي في وقت قريب. و لكن ليس معناه أن الشخص ليس ترانسكس, فهو بالتأكيد يعاني من تضارب بين جنس-العقل و جنس-الجسد (gender-dysphoria) و لا علاقة لذلك بميوله الجنسية!
و طبعاً توجد نسبة من الترانسكس –ليست نادرة- تميل للجنسين بدرجات متفاوته, و أيضاً نسبة من الترانسكس ممن لا يميلون لأي من الجنسين أو ليست لديهم رغبات جنسية أصلاً (Asexuality).

نسب إنتشار حالات الترانسكس
و أحب أن ألفت النظر لوجود بحث علمي حديث (واحد على الأقل) عن نسب إنتشار حالات الترانسكس, و هو بحث الدكتورة الأمريكية الباحثة لين كونوي و البلجيكية فيمكي أوليسلاجر في عام 2007, و الذي شككت نتائجه في النسب الإفتراضية الواردة في الدليل التشخيصي للإضطرابات النفسية DSM-IV (الإصدار الرابع في سنة 1994) التي كانت تفترض أن حوالي 1 في كل 30,000 ذكر و 1 في كل 100,000 أنثي يلجأون لجراحة التصحيح الجنسي في الولايات المتحدة و منه الإفتراض بأنه يصيب الذكور أكثر من الإناث بعدة أضعاف. ففي نتائج البحث الذي قدمته الباحثتين في المؤتمر العالمي العشرين للـ WPATH وضّحن فيه أن البيانات من بحثهم و بحوث أخرى متشابهة تدل على نسب إنتشار أعلى بكثير مما ورد في الـ DSM-IV , و بحد أدنى تكون 1 في كل 4500 من المصنفين ذكوراً و 1 في كل 8000 من المصنفين إناثاً عبر دول عديدة من العالم. و يقترحون أيضاً من خلال دلائل أخرى أن نسبة الإنتشار الحقيقي لهذه الحالات قد تكون مرتفعة لدرجة 1 في كل 500 من المواليد عموماً.
و جدير بالذكر أن في دول أخرى تظهر نسب إفتراضية أعلى من دول أخرى في بعض الأحيان بفوارق شاسعة. فمثلاً في إيران توالت وفود المتقدمين للجراحة التي تدعمها الحكومة الإيرانية جزئياً للمشخصين طبياً بالترانسكشوالتي. و يذكر أيضاً في عدة مقالات صادرة من ماليزيا أن عدد الترانسجندر يقدّر بحوالي 30,000 و نصفهم تقريباً من المسلمين.
قدّرتم في رسالتكم أن تلك الحالات نادرة جداً, و هنا أحب أن أتسائل, هل تعنون بذلك في مصر تحديداً أم في العالم العربي أو العالم بأسره؟ و إن كان التقدير مبني على أساس خبرة شخصية في مصر فقط, فكيف تعتبرون ما ورد عليكم غالبية الحالات الموجودة؟ صراحة أشك في أن يورد عليكم نسبةً تُذكر خصوصاً بإعتبار العراقيل الكثيرة الموجودة في مجتمعنا و التي ذكرتم بعضها و التي تسبب رهاب للأغلبية من هذه الحالات و ترغمهم على أن يمارسوا حياة مزدوجة, كثيراً منذ الطفولة أو النشأة, لتفادي عقاب الأهل أو العواقب الإجتماعية الوخيمة المترتبة, و قليلاً من يجرأ على مواجهة والديه منذ الصغر ثم المجتمع بحقيقته و طبيعته أو فطرته, في مجتمع كمجتمعنا على الأقل. و أقول ذلك عن خبرة شخصية….

التشكيك في فوائد العلاج الهرموني و\أو العملية الجراحية
كما ذكرت أن هناك الكثير ممن يعانون طويلاً و قد يهدرون جزء كبير من حياتهم للوصول لهدفهم و هو أن يصححوا وضعهم (الذي لا ذنب لهم فيه) مهما تكلّف الأمر… الكثير أيضاً لا يأبه إن لن يكون بإستطاعته الزواج أو ممارسة الجنس أو الإنجاب بعد-التصحيح و ما خلافه, و العلاج و\أو الجراحة للكثير تكون مجرد حلم بعيد أو سراب لصعوبة الوصول إليه… فالكثير يسعون مبدئياً فقط لتغيير دورهم الإجتماعي و تقبلهم على هويتهم الحقيقية سواء بمساعدة العلاج الهرموني أو بدونه – على حسب وضع صاحب الحالة – لتخفيف حدة معاناتهم… و الكثير ممن ينشدون الجراحة أيضاً لا يأبهون بواقع العقم بعد الجراحة, فأغلبهم لم يحتملوا أن يعيشوا في جنسهم البيولوجي أصلاً, و إن حاولوا الزواج و إستمروا في أن يعيشوا حياة-مزدوجة غالباً ما يكون مصيرهم الفشل العاجل – ناهيك عن إضافة الإحساس بالذنب لإخفاء حقيقة معاناتهم عن زوجهم أو زوجتهم, فكيف يقومون بدور أب أو أم على أكمل وجه في وضع مثل ذلك بالله عليكم؟ أليست الأبوّة و الأمومة مسؤولية كبيرة في حد ذاتها؟ ثم هل كل من هو خصباً يريد الإنجاب؟ هل أنجب كل الأنبياء و الرسل؟ و طبعاً هنالك خيار التبنّى لمن أراد.
أما عن نتائج الجراحة عملياً, فأحب أن أنبه أن نتائج العملية مع أي جرّاح متخصص (و مشهور بسمعة طيبة) في الخارج, كتكوين جراحي (vaginoplasty) لمهبل بالنسبة للمصححات (الذكور-لإناث), تكون مذهله, كما يصعب تفريق المهبل الجديد (neovagina) عن نظيره الطبيعي حتى بين أخصائي أمراض النساء (gynecologist) كما يقرّ البعض – و بعد بضع شهور فقط من الجراحة, و عادة بإمكان المصححة ممارسة العلاقة الزوجية بشكل طبيعي بعد ستة أسابيع فقط!!! و ما مشكلة “التوسيع المتكرر”؟ في الواقع, بعد مرور ستة أشهر من “التوسيع” لعدة ساعات اسبوعياً, تصبح الحاجة لأداء هذه التمرينات أقل بكثير, تقريباً مرة واحدة شهرياً.. فما المشكلة إن تقبلت هي ذلك؟ يعني عفواً, النساء البيولوجيات (natal women) لديهم حاجاتهم و مهامهم أيضاً, مثلاً كالتعامل مع الدورة الشهرية. أليس كذلك؟
أما بالنسبة للجراحة للمصححين (إناث-لذكور) فهم يعلمون ما يقبلون عليه. و أحب أن أشير أيضاً أن العلم يتقدم و تظهر أساليب جراحية جديدة لتوفّر نتائج أفضل. و كما قرأنا عن قضية “حسين” البحريني, وافقت المحكمة البحرينية (بنائاًَ على الأوراق الطبية المقدمّة) على قرار لإرساله لتايلاند على تكلفة الدولة لإتمام جراحته و تغطية سفره و إقامته هناك, و وصفت نتيجة العملية بعد ذلك بأنها “ناجحة”.
أما عن ذكركم “عدم وجود دراسات أو أبحاث لمتابعة الآثار النفسية و العضوية و الإجتماعية” فذلك يقلقني. هل ذلك شرط إجباري؟ أولاً, قد لا يرغب الكثيرون منّا (بعد كل هذه المعاناة) أن يصبحوا فئران تجارب لإقناع المشككين, و الكثيرون منا يكافحون للعودة للإنسجام في المجتمع و ممارسة حياة طبيعية. صحيح هناك الكثير ممن يتطوعون للمشاركة في أبحاث تحاول أن تجد الأسس البيولوجية للمشكلة أو في أبحاث تهدف لتحسين الخدمة الطبية و العلاج الطبي المتوفر لهم, و البعض أيضاً قد يتبرع بجسده للتشريح بعد وفاته كما كان الحال في الدراسة التشريحية على المخ التي تمت في هولندا في 1997, و كذلك تبعها المئات من المتبرعين بعد ذلك لنفس الجهة حتى أعلنوا عدم قبول المزيد من التبرعات لكثرة ما تلقوه. و توجد بعض الدراسات الواسعة في مجال الرعاية الصحية للترانسجندر. و أفضل الأدلة المتاحة تأتي من بحث هولندي تاريخي (نشرت نتائجه في 1997) يتضمّن 816 حالة ذكور-لإناث ترانسشكوال (MTF Transsexual) و 293 حالة إناث-لذكور ترانسكشوال (FTM Transsexual), و فترات على العلاج الهرموني الإستبدالي تتراوح ما بين شهرين و 41 عاماً.
و لكن كيف لنا أن نستخدم ذريعة التشكيك في وجود مثل هذه الدراسات و الأبحاث لتبرير رفض إتاحة خيار العلاج أو الجراحة؟ و كيف ستكون هناك دراسات أو أبحاث إن لم نتيح الفرصة للعلاج؟ و مع إحترامي لرأي سيادتكم, ذلك الرأي يقلقني لأنه أشبه بالمتاهة, كالسؤال “ماذا يأتي أولا, الدجاجة أم البيضة؟” و لكنني طبعاً أعتقد أن ذلك ليس مقصوداً و أن هدفكم هو التأكد من صحة و سلامة المريض.
و من ناحية أخرى, يوجد مئات الأسماء المعروفة بنجاحها و نبوغها من شتى دول العالم التي تعلن أنها كانت ترانسكس و صححت جنسها, منهم العلماء و الأطباء و الجراحين و المهندسين و الدبلوماسيين و حتى الفنانين و غيره. و أخيراً أذكّر أن بعد توفية كل الضوابط و الشروط الموضوعه, يوقّع المريض على إقرار يخلي الطبيب أو الجرّاح من أية مسؤلية قانونية. و على أية حال, يُبلغ الطبيب صاحب الحالة كل الإحتمالات و صاحب الحالة هو الذي يقرر إذا ما زال مصرّاً على مطلبه و تحمل مسؤليته و كل العواقب المحتملة.. و لو كانت هناك نسبة 1% أو 5% أو حتى 10% ممن لا يرضون تماماً بنتائجهم أو لا يعبرّون عن إرتياحهم التام بعد العلاج أو الجراحة, هل ذلك يبرر رفض إتاحة فرصة العلاج أو الجراحة للكل؟ و ما الذي يضمن لجرّاح التجميل أن يتقبّل كل مرضاه نتائج جراحته أو لجراح القلب أو المخ والأعصاب سلامة مريضه أو أياً كان؟
أتّفهم أن الكثير من الرجال (و بعض النساء) يصابون بالهلع عندما يسمعوا عن أو يتخيّلوا موضوع مثل إجراء ذلك العلاج أو تلك الجراحات (خصوصاً للمصححات\الذكور-لإناث), و لكن… هل نضرب بعرض الحائط كل الدراسات و الحقائق و البراهين و بروتوكولات العلاج المتوفرة لهذه الحالات و نقول لهم “ذلك ليس متاح لكم, ربنا يعينكم في معاناتكم” لمجرد رهاب شخصي أو عدم تقبل فئة معينة؟

الناحية الأخلاقية:
كما سبق و ذكرتم في ردكم: “وهذه الحالات يتم اخضاعها للعلاج النفسي ومحاولة إقناعه بجنسه الحقيقي وترغيبه فيه لفترات قد تطول“.
أودّ أن أسأل: بنائاًَ على أي بروتوكول علاج أو أي ضوابط؟ و لكم قد تطول تلك الفترات؟ و ما الأساليب المتبعة؟ و هل ممكن أن يتضمن ذلك العلاج أساليب مثل الصدمات الكهربائية؟ (electroconvulsive therapy) أسأل لأن ذلك ما كان يحدث في أمريكا منذ عدة عقود قبل نبذ هذه الأساليب الغير إنسانية و التي كانت عادة تستخدم في محاولة “علاج المثلية الجنسية”, حتى إستنفذوا كل الأساليب التي أثبتت فشلها و بالتالي حذفت “المثلية الجنسية” من تصنيف الأمراض النفسية. طبعاً نذكّر مرة أخرى كما سبق, تضارب الهوية الجنسية (أو جنس-العقل) و الجسد شيء, و الميول الجنسية شيء آخر تماماً.
أيضاً, ماذا عن الأطفال؟ هذه قضية جدلية جداً الآن في الغرب و العديد من المتخصصين و الأطباء و الباحثين يعادون بشدة فكرة “القمع” و “الإخضاع” و أساليب “العقاب” لأنها غالباً لا تجدي نفعاً في تغيير سلوك الطفل الطبيعي\الفطري إن كان منافي لجنسه البيولوجي, بل و قد يتعلّم الأطفال كثيراً في مثل هذه الحالات (كما فعلت أنا شخصياً في طفولتي) أن “يتماشوا” مع ما يؤمرون به برغم صراعهم الداخلي فقط ليحاولوا أن يتخلصوا من بعض القيوض و التعسّف, و يمارسون حياة مزدوجة و.. الله أعلم إن يتغيروا أو أن يصبروا كما صبرت حتى يحققوا غايتهم لاحقاً أو ربما يصابوا بعدة مشاكل نفسية أخرى و التي قد تؤدي إلى إنتحارهم كما الحال مع الكثير من حالات الترانسكس. و لا أظن أن لديكم أي أبحاث طويلة-الأمد تبرهن على نسبة فعالية (أو أضرار) هذا الأسلوب من العلاج.
ثم إني قرأت قصة عن حالة واحدة على الأقل, هنا في مصر, و يسردها طبيب (في مقال له) عن زميله الجرّاح الذي أصابه الإكتئاب بسببها, على حد قوله: “المريض الذي لجأ إليه لكي يجري له عملية التحويل إلى أنثى منذ أكثر من عام قد إنتحر بقطع عضوه التناسليّ وظلّ ينزف حتى فارق الحياة، وذلك لأنّ صديقي الجراح لا يستطيع أن يغامر بمستقبله المهني ويجرى له العملية، لأنه إذا فعل ذلك سيعرّض نفسه للمساءلة وسيتمّ فصله من نقابة الأطباء وإغلاق عيادته، فالنقابة لا تعترف بهذه العملية، والتيار الإسلامي الذي سيطر عليها دسّ أنفه حتى في هذه العمليات بدعوى الحفاظ على القيم والفضيلة والشرف، فأسرع بتكوين لجنة مهمتها التفتيش على الكفرة المارقين من جرّاحي التجميل وكأنها تتعامل مع حلاقين صحة ولا تتعامل مع أساتذة لهم قدرهم العلمي ووزنهم الأكاديميّ، بالرغم من أنها تجري في السعودية قدوتهم المفضلة بشكل طبيعي!!
و أذكركم بما ذكرتم في رسالتكم السابقة “أننا نتفق تماما مع كثير من النقاط التى وردت بالرسالة والخاصة بحقوق المرضى الذين يعانون من اضطراب الهوية الجنسية ، وضرورة التعاطف معهم وفهم واستيعاب المعاناه الصحية والنفسية والتي يعشيون فيها ، وضرورة وضع الآليات اللازمة لمساعدتهم على حل مشاكلهم وأن تكون هذه الآليات واضحة وسريعة“,
فكيف يتم ذلك؟ و ما هي الآليات التي تنوون وضعها لحل مشاكلنا؟ و كم سيستلزم من الوقت لتوفير ذلك؟
أنا شخصياً ذهبت لثلاثة أطباء نفسيين مختلفين فور رجوعي لمصر آملة أن يكون الوضع تغيّر و لو قليلاً, و كلاً منهم معروف و رشحه فلان و علان, و لكن صراحة صدمت صدمة مفجعة لمدى لم أتخيله. و وصل الحد للوقاحة و الخروج عن حدود الأخلاق و الأدب و الخوض في أسئلة غاية في الخصوصية و الإحراج و لا علاقة لها بموضوعي أو حالتي على الإطلاق, و حتى مع والديّ على إنفراد أخذ يأنّبهم و يوبّخهم بسبب تقبلهم لوضعي. يا الله… يعني أضيّع وقتي و مالي كي أهان و أجرّم و أكفّر؟ طب و ليه؟
بل جائتني تقارير من حالات أخرى (ترانسكس أيضاً) عوملت بالأسوأ, أحدهم أخبره الطبيب “شايف الباب اللي إنت دخلت منه؟ إتفضل إطلع منه و مش عايز أشوف وشّك تاني”. و حالة أخرى مع طبيب آخر, جائت للقاهرة أملاً في مقابلة طبيب متفهم و لكن للأسف تم تحويلها لطبيب آخَر في آخِر لحظة, و الذي حاول إقناعها بعدم وجود شيء كهذا و أنها “تتخيل” و أن هذه الأفكار عبارة عن إسرائيليات و غزو فكري و أشياء من هذا القبيل, رغم أنها أخبرته بشدة معاناتها و تفكيرها الملّح في الإنتحار… و من ثَم قررت أنها لن ترى طبيباً مصرياً آخر بعد ذلك اليوم, و أنها ستعالج نفسها بنفسها….
الأدهى من ذلك ما قرأت في أحد المقالات, تحديداً في مجلة مصر-اليوم الصادرة باللغة الإنجليزية (Egypt Today) و التي كان بها تقريراً كاملاً عن هذا الموضوع, صدر بتاريخ يوليو 2004. ذُكر فيها قصة سالي و الدكتور عزت عشم الله, أعتقد قصة معروفة جداً.. و فيها أيضاً عدة لقائات مع أطباء متخصصين و على حسب ما ورد “مباركين من النقابة لإنضباطهم” في موضوع الجراحة و خصوصاً تعسّفهم بالنسبة للذكور الذين يريدون “التحول” لإناث. مع ذلك يذكر إثنين من الأطباء على الأقل أن بعض البنات الذين أرسلهم أهلهم لإجراء الجراحة “ليتحولوا” لذكور كانوا إناثاً بيولوجيات!!! لا إنترسكس و لا ترانسكس, سألوهن “إنتوا عايزين تبقوا ولاد؟” و الإجابة كانت “معرفش.. أنا أهلي بعتوني عشان أعمل العملية” و بعدما تتم العملية يقول دكتور فلان “بس دي كانت بنت مش ولد”… أو التي يسألوها بعد العملية “إنتي سعيدة بنتيجة العملية؟ بتحبي البنات؟” تبكي و تجاوب “أنا صحباتي واحشني أوي… بس برضه الولاد حياتهم أفضل و يقدروا يعملوا حاجات كتير البنات ما تقدرش تعملها” أو شيء من هذا القبيل. و قصة بنت أخرى أتت للطبيب و بعد الفحص إكتشف أنها ذكر (إنترسكس) و كانت تزوجت من رجل, و كانت تمارس معه العلاقة الزوجية, و لكن إتضح أن ما كانت تظنه “مهبل” كان مسلك البول الذي توسّع و تهتّك, فأجرى لها جراحة لتكوين مهبل مصطنع كي “تستطيع الإستمرار في حياتها الزوجية كزوجة”, على الرغم من أن كل الفحوصات أشارات أنها بيولوجياً ذكر. طيب… لماذا لم نسمع أي ضجة أو حتى أي خبر عن تحقيق مع هؤلاء “المخالفين” كما حدث في قضية سالي مرسي و الدكتور عزت عشم الله؟؟!!!
و من ناحية أخرى, أودّ أن أتسائل, عذراً, أين كانت النقابة من إتخاذ أي إجرائات لتجريم تشويه الإناث (أو الختان كما يسمى) و معاقبة الأطباء (أو غير الأطباء) الذين كانوا يجرون هذه العمليات لسنين طويلة قبل أن يصدر قانوناً لتجريم ذلك و تحرّم بفتوى شرعية من الأزهر و تلقّب بـ “عادة فرعونية قديمة” (و التي كانت تعتبر سنّة و عفة و طهارة من قِبل الأغلبية من قبل, و كفرض ديني من البعض) و بعد سنين طويلة من الضغط من جمعيات حقوق المرأة – مصرية و عالمية؟
أعتقد رسالتي هنا واضحة, و تتصل مباشرة بالقضية الرئيسية التي أتناولها. القهر الجنسي له صور متعددة ولكن من أكثر صوره بشاعة هو ما نفعله بالترانسكس الذي يريد تحويل جنسه، وخاصة إذا طلب ذكر أن يتحول لأنثى – فلأنه (في نظرة عوام الناس في المجتمع و حتى بعض من مثقفيه) يريد أن يتحول من المرتبة الأرقى إلى الأدنى وهي الرتب التي منحها له المجتمع، فإنّ نفس المجتمع يرفض و بشدة أن ينقص مجتمع الرجال الفحول فرداً و أن يزيد مجتمع النسوة “المائصات” واحدة.. أعذروني..
عودة لموضوعنا: في أغلب الحالات, تظهر أعراض الترانسكس في مرحلة مبكرة من العمر – قبل البلوغ, إذ لا علاقة له بالرغبات الجنسية و يستمر حتى إجراء الجراحة, و قد لا ينتهي تماماً بها للبعض في ظروف خاصة جداً. و من أعراضه: الإكتئاب الشديد و إعتزال المجتمع و قلّة الإهتمام بما يجري في البيئة المحيطة. و هي أعراض نفسية سرعان ما تعبّر عن نفسها بأعراض جسدية مختلفة و متنوعة أكثرها شيوعاً الوهن الشديد و التي تجعل المريض لا يستطيع أن يقوم بأيّ جهد عضلي مهما كان بسيطاً. يجب أن نأخذ بالإعتبار أن هذا الإضطراب (إن صح التعبير) يستمر لسنوات طوال و على الأغلب العمر كله مع خطورة تطوّر الإكتئاب و الوصول بأصحابه إلى الإنتحار أو العنف كما ذكرنا كثيراً. و لذا فيكون العلاج الأمثل من الناحية النفسية هو التأييد و التعاطف مع ميول المريض و إحترام رغبته, بداية بما يحب أن يلقّب به نفسه, بغض النظر عن جنسه البيولوجي, و الحساسية في إختيار المصطلحات التشخيصية (حسب جميع التقارير العلمية حول هذا المرض). و ما يخفف من حدة هذه الأعراض و يساعد المريض على تحمّلها هو العلاج الهرموني الإستبدالي و\أو إرتداء ثياب الجنس الآخر, و كما الحال في جميع الدول الأوروبية و في أمريكا و كندا و أستراليا (و حتى في إيران) يحقّ للعيادات التي تعالج هذه الحالات إصدار تراخيص تسمح لهم بإرتداء ثياب الجنس الذي ينتمون أو يميلون له دون أن تعترضهم سلطات الشرطة, و حتى تغيير هويتهم الشخصية و\أو رخصة القيادة لتسهيل أمور حياتهم اليومية أثناء خوضهم فترة “إختبار الحياة الواقعي” تحت الإشراف طبي لتأهيلهم للجراحة (إن شائوا).

مشاكل أم عقد إجتماعية و ثقافية؟
• كلمة “الجنس” أو أي موضوع يتعلق بها حتى و لو لم يكن عن الميول\الممارسة الجنسية ذاتها غالباً ما تثير التحفظات و البلبلة و التحريم و و إلخ… (taboo term)
• إنعدام الثقافة الجنسية في التعليم بسبب جدلية هذا الموضوع لعدة أسباب أحدها النقطة السابقة. و أفضل دليل على ذلك ما تعرضت له الدكتورة هبة قطب من هجوم شرس و نقد لاذع عندما حاولت الخوض في مثل هذه المواضيع بجرأة في إحدى برامجها, و ذلك دليل على إصرار فئة معينة على غلق ذلك الباب للأبد على الرغم من الحاجة الماسة له.
• تفاقم مشكلة التحرّش الجنسي بالنساء في مصر و التي تناولتها بعض وسائل الإعلام الغربي.
• نسب إنتشار الأمّية المثيرة للقلق.
• على أي أساس يحرّم و يجرّم التشبه؟ و من له الحق في الحكم على شخص ما في موضوع كهذا أو معاقبته؟ ما هي المعايير المتبعه لتحديد ما هو “التشبه”؟ الرسول (صلى الله عليه و سلم) كان يُعرف بشعرَه الطويل المضفّر الذي كان يخضّبه بالحنّاء أيضاً, و كان يكحّل عيناه. و لذا أتسائل بيني و بين نفسي, في مجتمعنا اليوم, كيف يُنظَر لرجل يطوّل و يضفّر و يخضّب شعره بالحنّه و يكحّل عيناه؟ أليس الإسلام دين كل مكان و زمان؟ ألا تختلف معايير الذكورة و الأنوثة كثيراً من شخص لآخر و من مجتمعٍ لآخر و من زمنٍ لآخر؟ ألم يتفق الفقهاء أن هناك من يخلق كذلك على فطرته؟ يعني رجل خلق هكذا، صوته كالنساء، و\أو حركاته وكلامه كالنساء، لا يتكلف هذا ولا يفتعل، إنما هو منذ نشأ هذه طبيعته، و كما قال الإمام النووي، مثل هذا لا عقوبة عليه، ولا إثم عليه ولا ذم له ولا عيب لأنه معذور وخلق هكذا. فمن له الحق للحكم (غير الله سبحانه و تعالى) على شخص ما إن كان يتكلف هذا أم كان على فطرته؟
• لماذا الثورة عندما يقال فلان تحوّل لفلانه و لكن عندما تحولّت فلانه لفلان لا نسمع عن أي ضجّة مثيلة؟ أهي بسبب فيلم “السادة الرجال” والصورة الكاريكاتيرية التي قدمت بها الفنانة معالي زايد صورة إمرأة تتحول الى رجل بسبب الضغوط الاجتماعية؟

حقوق إنسانية
تطرقت للعديد من المواضيع التي تتعلق مباشرة بالحقوق الإنسانية تحت قسم “الناحية الأخلاقية”. و ذكرت سريعاً قصة د\ عزت عشم الله الذي أجرى لسالي مرسي جراحتها في 1986, أي منذ 23 عاماً تقريباً, و ما تزال قضيتها في المحاكم حتى يطبّق الحكم الصادر بردّها لكليتها – طب الأزهر لإكمال عامها الدراسي الأخير الذي كان متبقياً لها. و على حد علمي, فلم ينقذ سالي من الورطة الفادحة (إبان الضجة الكبيرة التي أُثيرت حول القضية) إلا وكيل نيابة وليس طبيباً وهو أيسر أحمد فؤاد والذي تعامل مع الأمر بكل تفتّح وموضوعية وعقلانية، ولكن كل هذا لم يمنع النقابة من التنكيل بالدكتور عشم الله الذي أجرى الجراحة. هل تغيّر ذلك الوضع بأي شكل من الأشكال؟ المغزى الرئيسي من رسالتي الأولى كان الإستفسار حول الخبر الذي صدر من نقابة الأطباء الشهر الماضي (يناير 2009) و الذي على ما أتذكر كان بعنوان “لجنة رقابة فى «الأطباء» للبت فى عمليات تغيير الجنس.. وإحالة «المخالفين» للتأديب” حسب ما نشرته جريدة المصري اليوم, و الذي كان مغزاه واضحاً أيضاً من موضوعه المكوّن من بضعة سطور و الذي صدر على موقع النقابة.
و جدير بالذكر المقالة الموضوعية التي صدرت في مجلة “سيدتي” في مايو 2008 بعنوان: “المتحولون.. بين تفهّم حالتهم ورفضهم وإيقافهم عن العمل” حيث تناقش العديد من المواضيع المتعلقة بحقوق مدنية و أساسية لأي إنسان. ألا تروا معنا هنا أي صلة وثيقة بأي حقوق تنتهك؟
سمعنا عن حالات إعدام و حرق و تمثيل بالجثث من قبل السلطات في العراق, على الأقل 300 حالة موثقة في السنوات الثلاث الأخيرة (2006-2008) بمثليون و مثليات و البعض الآخر ترانسجندر, و أحد حالات الفئة الأخيرة نشرت في فيديو على موقع يوتيوب و تظهر فيه بوضوح الشرطة العراقية. و ذلك بأوامر و فتوى من الإمام السيستاني بحجة “تطبيق الشريعة الإسلامية”… الحرق؟ التمثيل بالجثث؟ بالله عليكم أي تفسير مريض هذا للشريعة الإسلامية السمحة؟
ثم نجد العديد من التقارير (و الأخبار المتوالية في الصحف الكويتية) عن الحملة الواسعة في كافة أنحاء الكويت و التي كُثّفت في العام الماضي (2008) “لتطهير المجتمع من هذه الآفة الجديدة” – الترانسجندر, بإلقاء القبض على كل مشتبه فيه و\أو حلق الرأس و الزج في السجون مع الرجال حيث تحدث كثيراً إعتدائات جنسية. و رُفِعَت عدة دعاوي قضائية بالتعمد في حدوث مثل هذه الإنتهاكات. و قد لفتت هذه الحملة المكثفة نظر إحدى جمعيات حقوق الإنسان العالمية, و التي أصدرت بدورها مناشدة للمسؤلين في الكويت لوقف تلك الحملة الغير إنسانية و الإضطهاد العشوائي بدون أي حجة قانونية أو محاكمة عادلة لمجرّد إختلاف الضحايا شكلياً, فيردّ عليهم أحد المسؤلين: “قل يا أيها الكافرون, لا أعبد ما تعبدون“. سبحان الله…
ما أردت الإشارة إليه هنا هو أن الداء داء عربي شامل و سببه التعصّب و الكره و عدم تقبل الغير لأسباب الإختلاف الشكلي, و يستخدم الكثير الدين كعذر أو غطاء واقي لجرائمهم و إنتهاكاتهم لحقوق الغير, و في بعض الأحيان يتجاوز الوضع حدود قضايا الحقوق الإنسانية و يتحول إلى كارثة إنسانية, بل محرقة!! ذكرت أيضاً أن موضوع “فرض علاج نفسي” على المثليين\مثلييات تحوّل إلى قضية حقوق مدنيّة في السبعينيات في الغرب, و الآن أصبح موضوع “فرض العلاج” على الأطفال الترانسجندر نوعاً من قضايا الحقوق المدنية أيضاً, فما بالكم البالغين؟
و لقد تناولت بعض الأمور الدينية المتعلقة بقضية الترانسكس في رسالتي السابقة, كحالة مرضية بحتة و التي في أغلب الحالات تتطلب العلاج الطبي و ليس النفسي فقط. و حاولت أن أشدد على أهمية الرأي الطبي و العلمي في تكوين رأي العلماء و الشيوخ الذين يصدرون فتواهم بدورهم بنائاً عليها, و أن المجتمع يستمد نظرته و فهمه و آرائه أساساً من رأي الأطباء و العلماء أو الشيوخ و رجال الدين في مثل هذه القضية, و لكنكم (على حد فهمي) أشرتم في نهاية رسالتكم أن المسؤولية تقع على عاتق علماء الدين و المجتمع. و اكن عندما نلجأ إلى رجل دين أو مفتي, يقول أن المسؤلية تقع على عاتق الأطباء و تقبّل المجتمع, و المجتمع يقول أن الأطباء و علماء الدين يحرّمون و يجرّمون. فحمّلت كل فئة الأخرى مسؤولية إتخاذ القرار و البت في مصير المرضى المغلوبين على أمرهم. أتسائل, لماذا تعلّق كل فئة قرارها و موقفها على رأي فئة أخرى؟ ما هي سلطة “لجنة تحديد الجنس بالنقابة” تحديداً في هذا الموضوع؟ و ما هي سلطة علماء الدين بدون رأيكم الطبي و العلمي البحت في هذه القضية؟ و ما هي سلطة المجتمع؟ من النخبة و صاحبي القرار؟ الأطباء و علماء الدين أم المجتمع؟ أريد أن أفهم, من المسؤول الرئيسي عن هذا التعقيد؟

السادة الكرام,
لست أطالب بأكثر من أن تتفهموا أن للعلاج الطبي في الكثير من هذه الحالات (و ليس النفسي فقط) نفس الأهمية, ليس فقط لتخفيف معاناة المريض و للحفاظ على سلامته, و لكن أيضاً لإنقاذ الأرواح. لا يلجأ فقط الكثير من صاحبي هذه الحالات إلى المداواة بالهرمونات بأنفسهم غير آبهين بكل المخاطر الصحية التي قد تترتب على ذلك لتجاهلهم المتابعة الطبية المختصة لإجراء التحاليل و مراقبة التطورات و النتائج, بل ييأس البعض و يتخذ قرارات طائشة مثل إيذاء نفسه أو الإنتحار, أو إتخاذ طريق العنف و البلطجة في المجتمع للتعبير عن سخطه و غضبه. و لا أطالب بأكثر من أن تتفهموا أيضاً أنه بمنع الجراحة عن من يودّون تصحيح وضعهم من هذه الحالات سيزيد من ألمهم و معاناتهم و قد ييأس الكثير و يلجأون لطرق غير سوية (كالإنحراف الجنسي) ظناً أن من خلال ذلك قد يستطيعون أن يثبتوا أو يأكدوا هويتهم, و لكننا نعلم جميعاً أن ذلك لا يجلب إلا نتائج عكسية. و بما أن الهدف هو الحفاظ على سلامة المجتمع و مبادئه و قيمه, فبيدكم أنتم الأطباء القرار, و بوسعكم عرض رأيكم الطبي و العلمي الغير منحاز, و ذلك ما سيساعد في توسيع دائرة الإستيعاب و التفهم و التعاطف. و بإمكاننا أن نعمل سوياً مع كافة وسائل الإعلام لنشر الوعي و إزالة الكثير من اللبس السائد عن هذه القضية في المجتمع, فلا ينبغي أن تتحمل أي جهة المسؤولية وحدها. و لو وجدت عندكم النية الصادقة للنظر في ذلك الموضوع, فأنا شخصياً أول من سأتطوع للمساعدة في جمع كل ما يتوفر من أبحاث و دراسات و بروتوكولات العلاج المستخدمة (و ضوابطها و شروطها و القوانين المتعلقة) في هذا المجال مثل تلك المتبعه في أوروبا و كندا و أمريكا أو غيرها, و ترجمتها كاملة قبل عرضها عليكم إن شئتم.

وأخيراً أعتذر إن أسئت بدون قصد لأي جهة أو شخص من خلال نقاشي المباشر و الصريح, فقد كان هدفي هو توضيح الحقائق ليس لمجد شخصي أو لمجرد الفوز بمناظرة ولكن لاحساسي بالمسئولية الشخصية عن بشر مثلي ومثلكم ابتلاهم الله كما إبتلاني.
و لكم جزيل الشكر لحُسن متابعتكم, و السلام عليكم و رحمة الله

ياسمين حسن
ناشطة في مجال حقوق الترانسجندر
17 فبراير 2009


أوسمة : , , , ,
قد تهمّك هذه المواضيع المتعلّقة :
6 تعليقات
فبراير 18, 2009
5:14 م
#1 سارة :

ماشاء الله عليكي الله يحفضك ياااااارب يردو عليكي كمان مرة ونشوف شو رح يقولو انا بالاردن ما حدا سمعني بعتت رسالتك للنقابة ولكل الجهات المختصة وعالفااااااضي حتى يمكن ما بيعرفو شو يعني ترانسكس الله بعين يارب ساعدنا

يونيو 21, 2009
7:57 م
#2 لؤى حسن محمد :

الفاضلة/ياسمين الرجاء التواصل معى عبر الاميل لعلكى تكونين سببا لعلاجى وجزاكى الله خيرا على مقالتك الأكثر من رائعة.

ديسمبر 15, 2009
11:10 م
#3 الحزين :

الله يخليكي ويطول عمرك ويقويكي للفاع عن حقوق مرضى اضطراب الهوية الجنسية
صدقيني انا احسست برغبة شديده بالبكاء عندما قرات هذا الموضوع الجمييل لاني حالتي تطابق ذالك فانا ذكر بجسد انثى وعاني من هذه المشكله من كان عمري 3 سنوات انا مقيم بالمملكه العربية السعودية منذ الولاده وللكنني اجد كثيير من المعناة بسبب المجتمع في بلدي والسعوديه حتى انني ليست لدي الجراة ان اخبر احد والدي برغبتي بتصحيح جنسي
اختي ياسمين الف شكر لكي على هذا الجهد وسدد الله خطاكي لما فيه شفاء للمريض ونصرة للمظلوم ..

يناير 7, 2010
2:08 ص
#4 الاكثر حزنا على الارض :

لا اعرف ماذا اقول لاني تعودت على السكوت طوال ستة و عشرون عاما فهذا عمري
انا عمري 26 سنة ولدت انثى ولكني لا امت للاناث باي صله سوى تكوين جسدي فقط. ياسمين ارجوكي ساعدييني دليني على الطريق انا اعيش فمصر ولا اسطيع حتى ان المح لاهلي عن الموضوع واصبح كل من حولي اهلى و اصدقائي و كل من اعرفهم و لا اعرفهم ينظرون الي على انني شخصيه مشوهه او غريبة الاطوار بسبب شكلي الذكوري وملابسي و طريقتي في كل شيء ولكن الجديد الذي جد و بسببه سوف اقدم على خطوة الانتحار هوه ارفامي على الزواج من شاب ما. انا لا استطيع كيف رجل يتزوج رجل لا الموت اهون. ارجو المسعاده حتى اسطتيع ان اعيش كباقي البشر.

فبراير 25, 2010
7:27 م
#5 hanaa mostafa :

اشكركم على البحث فى هذا الموضوع ولى زميله عندها نفس المشكله ولا تجد من يساندها ويوجهها الاتجاه السليم فهل اجد طبيبا او باحثا يفيدنا

أبريل 9, 2010
8:09 م
#6 ياسمين :

الله يخليكي شوفيلي حل
أنا بنت عمري 17سنة مأحس إني بنت لا بشكل جسمي ولامشيتي ولاحتى تفكيري
اتضايق من مجتمع الإناث مارتاح معاهم في المدرسة يقولولي إنتي بوي رغم إني احتكاكي قليل بالبنات يجلسوا يطالعوا فيني عشان مشيتي هذا جزء من الكلام اللي بداخلي
تكفين عطيني حل

أضف تعليق

الإسم

البريد الإلكتروني

الموقع

التدوينة السابقة
«
التدوينة التالية
»