رسالة لكل أطباء النقابة المصرية و كل من يهمه الأمر


السلام عليكم و رحمة الله,

إلى كل من يهمه الأمر, و بعد,

قرأنا منذ فترة قريبة عن خبر لا أعتقد أنه بقرار جديد صادر عن نقابة الأطباء بخصوص عمليات “تغيير الجنس”. و أوًّدُ أن أسأل: لماذا نستمر في إستخدام لفظ “تغيير الجنس” إذا كان المراد رد صاحب الحالة إلى صورته الطبيعية أو فطرته؟ لماذا لا نقول “تصحيح أو تأكيد الجنس” مثلاً كما تلقب الجراحة علمياً في اللغة الإنجليزية؟ (GCS – Gender Confirmation Surgery) أو (SRS – Sex Reassignment Surgery) أليست الفحوصات و الموافقات على هذه الجراحة تصحيح عيب خلقي ثم تصحيح كلمة “أنثى” أو “ذكر” على ورق؟

ثم بما أن هذا النوع من الجراحة ليس بشيء جديد, و حسب علمي من بحث واسع و طويل يذكر أن هذا النوع من الجراحات كانت تجرى في مصر منذ علم 1920 تقريباً, أي أنه ليس بشيء جديد أو غير مألوف؟ و لقد كنا رواداً في هذا المجال الجراحي في الستينيات و السبعينيات, و أتذكر على الأقل إسم الدكتور العلامة جمال البحيري رحمه الله و الذي كان يجري هذه الجراحة هو و تلامذته حتى أن الأوروبيين كانوا يلجأون إليه لإجراء هذه العملية.


الآن, و قد تقدم العلم كثيراً في مجال الأبحاث النفسية-البيولوجية و الجينية و الفسيولوجية كتكوين المخ للوصول إلى عوامل مختلفة لتحديد الجنس و ربما الإختلافات التي ظهرت عن القواعد العامة. و ظهرت تفسيرات لحالات لم تكن معروفة منذ زمن بعيد.

مثلاً, حالة النساء مولودون بصبغة كروموسمات XY تماماً مثل الذكور, و التي تسمى بـ AIS أو Androgen Insensitivity Syndrome و اللاتي لا يبلغن بلوغ طبيعي مثل بقية الإناث و لا تصيبهن دورة شهرية و في بعض الحالات يتم كشف خصيتان معلقتان داخلياً بدلاً من مبايض أو رحم (أو يكون هناك ضمور في المبايض الرحم) فبالطبع لا يستطيعون الحمل أو الإنجاب. و لكنهم نساء على الرغم من كل ذلك. و هذه طبعاً حكمة من الله سبحانه و تعالي كما تذكر الآيات الكريمة {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }, و أيضاً: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} صدق الله العظيم.

طبعاً هناك حالات أخرى متعددة لإختلافات الصبغة الكروموسومية عن القاعدة العامة للذكر و الأنثى المعتادة XY أو XX, و لكن هذا ليس موضوعنا الرئيسي و لذا سأختصر حديثي للوصول لجوهر الموضوع.

يقول الكثير من الأطباء المصريين أو العرب عامة أن هذا النوع من الجراحات يجرى في دول غربية كثيرة بدون ضوابط و لا شروط و يتهمونهم بالإنحلال و الفسق و و إلخ. ليس موضوعي أن أدافع عن الدول الغربية, و لكن على حد علمي من بحث طويل و خبرة واسعة في هذا الموضوع و من المعروف بالدول الغربية أن الطبيب الجراح (أو أي طبيب آخر) يعمل بضوابط و قوانين صارمة, لوجود عوامل المسؤلية (عن سلامة و صحة المريض) و المسائلة و الإلتزام بأخلاقيات المهنة.

و هنا أصل إلى لب الموضوع: إضطراب الهوية الجنسية (GID – Gender Identity Disorder) و الذي كانت بداية إكتشافه و علاجه ترجع إلى عام 1948 عندما إستشار دكتور التخصص الجنسي ألفريد كينزي زميله الدكتور هاري بينجامين في حالة طفل ذكر أتت به أمه تشكو بأنه رافض هويته كذكر و مصرّ على أنه أنثى و يطالب بتصحيح جنسه إلى أنثى. نتحدث هنا عن طفل, ليس فتى و لا شاب, بل طفل. ليس خنثى بيولوجياً أو ما يسمى علمياً بالإنترسكس, بل ترانسكس, و هو اللفظ العلمي الذي أطلقه د\ هاري بينجامين عن هذا النوع من الحالات في 1954. و على الرغم من إختلاف الأطباء النفسيين الذين أستشارهم د\ بينجامين في هذه الحالة لتحديد علاج معين, قرر أن يعالج الطفل بالهرمون الأنثوي إستروجين (تحديداً بـ بريمارين Premarin الذي أدخل في 1941) و الذي وصف مفعوله في هذه الحالة بـ “مفعول مهديء” و من ثم تم ترتيب رحلة للأم مع طفلها لألمانيا لمساعدته جراحياً. و أستمر د\ بينجامين في تهذيب فهمه لهذا النوع من الحالات, مستمراً في علاجها, بمساعدة زملاء من مجالات متعددة إختارهم بعناية, مثل الطبيب النفسي جون ألدن و أخصائية الإبر الكهربائية مارثا فوس في سان فرانسيسكو و جراح التجميل هوزيه عيسى باربوسا من تيووانا, و عالجوا مئات من هذا النوع من الحالات بطرق مشابهة, كثيراً بدون أي مقابل. أعتبره مرضاه رجل ذو إهتمام و رعاية فائقة, و إحترام و عطف بالغ, و إستمر أكثرهم على التواصل معه حتى وفاته.

هذا الوضع في وقت كانت فيه الولايات المتحدة, إجتماعياً و طبياً, كما الحال في الكثير من الدول الأخرى, يعتبر تناقض كبير و خطير, حيث كانت الأمور مثل إرتداء ملابس الجنس الآخر في العامة أو عمليات الإخصاء (Castration) غير قانونية و يعاقب عليها القانون بصرامة. أي شيء يعتبر مثلياً (أو شذوذاً جنسياً) كان مضطهداً, إن لم يكن غير قانونياً, و الكثير من الأطباء إعتبروا أغلب هؤلاء الناس (بمن فيهم من أطفال) غير صالحين للعلاج إلا بالمعالجة القهرية مثل التخدير و الإحتجاز أو الجلسات الكهربائية التشنجية (Electroconvulsive therapy) أو جراحة في فصوص المخ (Lobotomy). يعني لم يكن هناك إنحلال و لا حريات متناهية كما يعتقد البعض. و لذا, عاش (و ما يزال يعيش) أغلب مرضي د\ بينجامين في سرية تامة.

و في عام 1966, نشر كتابه “ظاهرة الترانسكشوال” (The Transsexual Phenomenon) و الذي كان بمثابة أول عمل كبير يشرح تفصيلاً مسار علاج مؤكد و إيجابي, على الرغم من أنه سبق و نشر العديد من كتاباته و ألقى محاضرات لجمهور من الإختصاصيين كثيراً في هذا المجال. أسس بعد ذلك على أساسه بروتوكول العلاج على أسمه (HBIGDA SOC – Harry Benjamin International Gender Dysphoria Association Standards of Care) و التي أعيد تسميتها لاحقاً “المنظمة العالمية للمختصين في صحة الترانسجندر” (WPATH – World Professionals Association for Transgender Health). و بدورها نشرت أولى الإرشادات الكلينيكية لهدف واضح و هو ضمان “إستمرارية راحة شخصية مع جنس النفس\الروح للوصول للحد الأقصى من السلامة السيكولوجية و النفسية العامة و تحقيق الذات”. هذه المعايير هي الأشهر و الأوسع إستخداماً حتى اليوم, و لكن يوجد أيضاً عدة إرشادات و بروتوكولات أخرى مستخدمة, أغلبها خارج الولايات المتحدة. النسخة السادسة من بروتوكول العلاج WPATH-SOC و الأخيرة حتى يومنا هذا صدرت في فبراير 2001 منذ النسخة الأولى في 1979.

في إرشادات هذه الطبعة أقسام على علم الأوبئة (Edpidemiology), إختصاصيين الصحة النفسية, علاج الأطفال, المراهقين, و البالغين, العلاج الهرموني الإستبدالي (Hormone Replacement Therapy), تجربة الحياة الواقعية (Real-Life Experience) و الذي كان يلقب سابقاً بإختبار الحياة الواقعي (Real-Life Test), و أخيراً قسم عن الجراحة.

ملخص بروتوكولات العلاج حسب إرشادات ال WPATH-SOC:
النسخة الحديثة توصي مختصين الصحة النفسية بتوثيق التاريخ المتعلق للمريض في خطاب, و الذي يشترط إجبارياً توفره من قبل الأطباء المختصين قبل التدخل الطبي الفسيولوجي. خطاب ترشيح أولي مشترط إجبارياً لبدء العلاج الهرموني الإستبدالي أو لأي من الجراحتين تضخيم الثدي (Augmentation Mammoplasty) أو جراحة إعادة تكوين الصدر الذكري (Male Chest Reconstruction). يطلب خطابين إضافيين لجراحة الأعضاء التانسلية.
معايير الأهلية و معايير الإستعداد تعطي أدنى الشروط الإجبارية بدقة كشروط مسبقة للعلاج الهرموني (HRT) و الجراحي (SRS). و لذلك و لأسباب أخرى, يعتبر هذا البروتوكول جدلي للغاية و كثيراً ما يعتبر كوثيقة إفتراء من قبل المرضي الذين يسعون للتدخل الطبي (هرموني\جراحي) و يذكرون أن حقوقهم ذات الحماية القانونية للعلاج و الرعاية الطبية تُمسك عنهم ظلماً و بلا مبرر أو حتي تُمنع بنائاً عليها.

الأقسام الأربعة الأولى من نوعية إستهلالية, تشرح الهدف و الغرض و الحاجة لمعايير العلاج, إعتبارات وبائية متعلقة بالأشخاص الترانسكس, تسميات التشخيصات, و دور أخصائيين الصحة النفسية.
الأقسام الخامسة للثامنة تبدأ الدليل الفعلي للعلاج. و هي تتناول على وجه التحديد الطريقة التي بها يتم تشخيص “الترانسكشواليزم” في القاصرين و البالغين على حد سواء, و الطريقة التي يوثق بها التشخيص و التوصيات (“الخطاب”) و أيضاً تغطي المتطلبات و العلاج بإستخدام الهرمونات, بما في ذلك الإستخدام و تأثير الهرمونات.
القسم التاسع يغطي تجربة الحياة الواقعية, و التي سميّت سابقاً بإختبار الحياة الواقعية.
القسم العاشر إلى الثاني عشر يغطي تحديداً العلاج الجراحي للأشخاص الترانسكشوال. القسم الثاني عشر بعنوان “الجراحة التناسلية” تتعامل مع كل الأمور المتعلقة بالجراحة, و تشمل ستة “معايير الأهلية” و إثنين “معايير الإستعداد”, و اللذين يقصد بهم الأطباء المختصين للتشخيص و للإرشاد قبل منح المرضى “خطابات ترشيحية”.
القسم الثالث عشر و الأخير يغطي مرحلة “المتابعة بعد الفترة الإنتقالية” (post-transition follow-up)

الآن وبعد هذا التوضيح يفرض سؤال آخر نفسه, وهو: هل عندما يلجأ أي فتى أو شاب أو رجل إلى جرّاح التجميل ويطلب تحويله إلى إمرأة، هل ينبغي أن يوافق الطبيب على الفور ويدفع به إلى غرفة العمليات وكأنها عملية زائدة دودية؟! الحقيقة والواقع يؤكدان عكس ذلك، وللأسف هذا ما لا يفهمه الكثير من أطبائنا المصريين و العرب، فالجمعية النفسية الأمريكية (APA) قد وضعت شروطاً لإجراء هذه العمليات و لتشخيص هذه الحالة وهذه الشروط هي:
أولاً: لا بدّ أن يظل هذا الإحساس بعدم الإرتياح والإقتناع بالهوية لمدة لا تقل عن سنتين.
ثانياً: لا بدّ أن تمتد الرغبة في تغيير الجنس لمدة لا تقل عن سنتين.
ثالثاً: ألاّ يكون المريض واقعاً تحت تأثير مرض نفسي كالشيزوفرينيا أو عيب وراثيّ.
عند توافر هذه الشروط وعند التأكد من هذا القلق و الإضطراب المتصٍّل بالهوية يجب على أسرة المريض اللجوء للعلاج النفسيّ لتأهيله نفسياً وإجتماعياً قبل إجراء أية عملية. إذاً الأمر ليس لهواً جراحياً أو دجلاً طبياً، القضية علمية بحتة، والمشكلة نفسية تحتاج إلى الفهم بدلاً من التجاهل، والتعاطف بدلاً من دفن الرؤوس في الرمال، فهذا حقّ لهذا الإنسان الذي يريد أن يحسم هويته ويحاول أن يوازن ما بين عقله الذي لا يؤمن و لا يتزحزح عن إقتناعه إلا بكونه أنثى وما بين جسده الذي يصدمه بأنه ذكر.

من أكبر الصعوبات أن يتفهم أي إنسان (طبيب كان أو عالم دين) مدى معاناة شخص مثل هذا إلا إذا عرفه لزمن طويل و ربما منذ طفولته و إستمال ثقته و إرتياحه ليكشف له مدي معاناته و طول إستمراريتها. على الأقل في الدول الغربية حيث تقوم الأنظمة بإعداد إحصائيات واقعية عن نسب الإنتحار تكشف أن أكبر نسبة إنتحار في أي مجموعة إجتماعية لا تفوق تلك التي تجدها وسط الأشخاص المشخصين طبياً (أو المعرفّين شخصياً) كترانسكس. ذلك لعدة أسباب أبرزها: الفقر و عدم القدرة على تكاليف العلاج أو الفشل في الوصول لطبيب معالج أو جهة مختصة, أو الرفض الأسري أو الإجتماعي في البيئة المحيطة و الإضطهاد.

طبعاً في مجتمعات مثل مجتمعاتنا العربية يكاد ينعدم فيها أي نوع من الإحصائيات كتلك, و على الرغم من إنتشار حالات الإنتحار يتسرّع الكثيرون لينفوا أي دلائل على هذه الظاهرة و تتكتم عليها الأسر لتغطية “الفضيحة و العار” و تختلق القصص لتبرير الوفاة, و لذا, يصبح من الصعب جداً أن نأتي لكم بأي براهين أو إحصائيات مؤكدة على مدى خطورة هذه الحالة على حياة أصحابها إن إستمر الوضع على ما هو عليه من تعسّف و إنغلاق. و لكن ذلك لا يقلل من خطورتها. و أتذكر أن إحدى الدراسات العربية أشارت أن نسبة لا يستهان بها من المواليد في العالم العربي تعاني من خلل أو إضطرابات هرمونية قد تؤثر بدورها على تكوين الهوية الجنسية للطفل في نشأته و التي يستحيل تغييرها فيما بعد, على الأقل بما يتوفر من تقنية حتى يومنا هذا.

أنا لا أتكلم من فراغ, و أقول لكم نحن كثيرون, أكثر مما قد تتخيلوا, نعيش بينكم و معتمدين أساسياً على خداع بصري للتعايش, منا أطباء و صيادله و منا مهندسين و محامين و كاتبين و مؤلفين و فنانين و موظفين و عمّال حرفيين و حتى أصحاب شركات و غيره. أكثرنا نشأ نشأة إسلامية و سوية و لم يتعرض لتحرش جنسي في طفولته أو طفولتها, و لم يشذ عن فطرته بهدف العبث أو المرح و لم يتمنى لنفسه السوء بل خلقه الله تعالى بهذا الإبتلاء منذ طفولته, هذا الإبتلاء الذي تشتد حدته و آثاره السلبية على نفس صاحبها حتى تدمره نفسياً و إجتماعياً و ربما أيضاً أخلاقياً إن لم يؤول به الضعف و الهوان إلى قتل النفس. قد يظن البعض أن المشكلة ستزول بتجاهل هذه الحالات أو قمعها أو حرمانها من مطالبها للعلاج, و لكن ذلك فكر غير واقعي. يحاول البعض إقناع نفسه أن بإمكانه أو بإمكانها الزواج و إصلاح نفسه, و ربما ينجب أو تنجب طفلاً سريعاً قبل أن يتضح له\لها فشله\فشلها التام في أن يلعب\تلعب دور الزوج\ة و تكون النتيجة إنتهاء العلاقة الزوجية. و البعض الآخر سينحرف إما بعلاقات مثلية-جنسية أو بتعاطى المخدرات أو كلاهما, و هي ظاهرة ليست بهينة في (و لا جديدة على) مجتمعنا. فهل ترغب في ذلك لإبنك أو إبنتك؟

السادة الكرام,

لقد حثّنا الدين الإسلامي على العلاج و التطبّب, و كما قال رسول الله (صلى الله عليه و سلّم): (ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء ـ وفي حديث ابن مسعود بعد ذلك ـ علمه من علم وجهله من جهل) و قال: (تعالجوا ولا تتكلموا). و عن جابر أن رسول الله (ص) قال: (إن لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى). هذا وقد كان رسول الله (ص) والأئمة الطاهرون يراجعون الأطباء، لهم أو لغيرهم، فعن معاوية بن حكم قال: إن أبا جعفر(عليه السلام) دعا طبيبا ففصد عرقا من بطن كفه. فإذا كان الرسول (ص) و الأئمة يراجعون الأطباء, لم لا يحذوا حذوهم فقهاء الدين و مفتيين يومنا هذا – الذين يطلقون العنان للأحكام بدون علم في هذه القضية, أو مراجعة لرأي من هم أكثر علماً منهم فيها من علماء الطب و العلم النفسي الذين أجمعوا أن الترانسكس مرض حقيقي و أن علاجه طبياً أو جراحياً قد يكون الحل الأمثل أو الوحيد للكثير من هذه الحالات؟ أم هي علامة أخرى من علامات الساعة؟ كما قال رسول الله (ص): “إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”.

و كما ذكر فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي و أجتمع على رأيه الكثير من علماء الدين الأفاضل و هو أن تغيير خلق الله ممنوع أساساً، ولكن يستثنى من هذا إذا كان الإنسان في حالة تسبب له آلاما نفسية أو أضراراً اجتماعية لا يحتملها، يدخل هذا ضمن حالات الضرورات أو الحاجات التي تنزل منزلة الضرورة. بالتأكيد لم يُقصد بالآية التدخل الطبي فسيولوجياً أو جراحياً لعلاج المريض الذي يعاني من الألم الشديد أو المعاناة؟!!! و أيضاً ذكر أن الأحوال النادرة لا يبنى عليها حكم، فالتشريع دائماً يبنى على الأعم والأغلب و لا يبنى على الشواذ، فلم تكن أبداً التشريعات تبنى على الأمور الشاذة، إنما تبنى على الأمور العامة. الأمور الشاذة لها معالجات خاصة تأتي على سبيل الاستثناء، وكما قال الفقهاء ما جاء على سبيل الاستثناء يحفظ ولا يقاس عليه.

و هنا تقع المسؤولية بأكملها على عاتق الأطباء المختصين و الدارسين لهذه الحالات. فبرأيهم يسند علماء الدين و المفتيين فتواهم لإزالة الشبهة أو التحريم عن المشكوك فيه, و ليوضحوا لعوام الناس ما هو مباح و ما هو حرام.

و ما لا نريد أن نعترف به هو أننا – على الرغم من الصورة التي يقدمها إعلامنا, الصورة التي نحب أن نقدمها للعالم عننا – فإن مجتمعاتنا ما زالت تنظر إلى المرأة نظرة متخلّفه (و المقصود بمجتمعاتنا سواد الناس) فتعد ألف و أربعمئة سنة من نزول قوله تعالى {{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}}. و ما زال كثير من عوام الرجال و قليل من متعلميهم يسبقون ذكر المرأة لمن يخاطبونهم من الرجال بقولهم “يكفيك شرهم” أو “حاشاك” أو “تسلّم من هالطاري” و هذه أمثلة من عدّة دول عربية لتدليل على أن هذا الداء عربياً و ليس مصرياً فقط. و ما إحتقار “المتحولين جنسياً” من الذكور إلى الإناث إلا لأنهم “الطبقة الدنيا” بل أكثر من ذلك, لأنهم رضوا أن “يلعبوا” دور المرأة. و يكفي أن يذّم الرجل بمقارنته بالمرأة و تمتدح المرأة بمقارنتها بالرجل. فما الذي يغري رجلاً بالله عليكم أن يختار لنفسه أن يكون إمرأة في مجتمعات كهذه؟!!

نظرة الناس لا ترحم ولن يتقبلو الامر بسهولة, و هذا شيء مفروغ من أمره. قال رسول الله (ص): {إن الله لا ينظر الى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم}.
و لننظر ما تقدمه أجهزة الإعلام, و سريعاً ما سنرى أنها (أو معظمها) لا تقدم الإضطرابات النفسية إلا للسخرية و الفكاهة, مما يزيد من هموم المرضى النفسيين, إذ يصبحون عرضة لسخرية المجتمع. و ما أقساها من سخرية, بل ما أبعدها عن الإنسانية! هل يقبل أحدكم بالسخرية من مريض سرطان أو من مريض به تشوه خلقي أو تأخر عقلي؟ أو من الذين يستعملون أيديهم اليسرى بدل اليمنى بفطرتهم؟

و بالنسبة للترانسكس, لا خيار للمريض في هذا المرض أو الإضطراب النفسي, عكس إعتقاد الناس, بل هو مصيبة نزلت على رأسه, و على الأطباء المختصين و بدورهم رجال الدين أن يخفّفوا من وقعها على المريض. أما في مسألة أن السلف لم يذكر شيئاً عن هذا المرض, فالسلف لم يذكر شيئاً أيضاً عن الشيزوفرينيا و لا الإيدز و لا عن الزهايمر و لا حتى عن الإنفلونزا, فهل نتوقف عن معالجة المرضى بهذه الأمراض؟
و إلى الذين يريدون معرفة سبب المرض قبل الإعتراف به و قبل الموافقة على معالجته, نقول: إن كل الأمراض عندما ظهرت لم تكن معروفة السبب, فهل كان ذلك سبباً في نكران وجودها؟ أما ما يقوله البعض عن تحريم العملية الجراحية لأنها تغيير في خلق الله, فما الفرق بينها و بين عملية بتر العضو المصاب بالغرغرينا لإنقاذ حياة المريض أو تخفيف ألمه و معاناته؟ فهل يعتبر بتر العضو تغييراً في خلق الله؟ أليست هناك قاعدة فقهية تقول إن الضرورة تبيح المحظورات؟

و لذا, نطرح السؤال: إذا كانت مهمة الطب هي المحافظة على حياة الإنسان فلماذا نعرّض هؤلاء المرضى للعذاب و نحظر عليهم شيئاً من حقّهم كمرضى حقيقيين؟ و كما ذكر, فإن مريض الترانسكس الحقيقي لا يهدأ أبداً إلا بعد إجراء الجراحة و غالباً ما يلجأ للخارج لإجرائها إن تيسّر حاله. فإن لم يستطع يقدم على الإنتحار ببساطة, و لا يوجد نص في القرآن أو السنة يجرّم أو يحرّم إجراء ذلك النوع من الجراحات.

لا نطالب بفتح الباب على مصراعيه لأي راغب في تغيير جسده أو جنسه, و لكن في ظل ضوابط و شروط علمية و قانونية كالمعمول بها في العديد من دول العالم. و لا أعتقد أن من أفتوا من علماء المسلمين في العالم العربي أصدروا فتواهم من فراغ. ناهيك عن دولة إيران التي تعتبرها أمريكا من الدول المتطرفة حيث يعاقب فيها المثليون أشد العقوبات (أحياناً بالإعدام على حد قولهم), و مع ذلك فقد سمح الخمينئي (و حلل غيره) منذ السبعينيات القيام بهذه العمليات فيها لمن هم ذوي الحاجة الحقيقية, و أيضاً تحت رعاية الحكومة لجزء كبير من تكلفتها, كما الحال في العديد من الدول المتقدمة مثل كندا و بريطانيا و البرازيل, و حتى في إسرائيل حيث اللوب اليهودي المتطرف المعادي بشدة لتلك الإجرائات أو العمليات.

إننا نطالب فقط بفتح الباب لمساعدة من يريدون أن يساعدوا أنفسهم ليعيشوا حياة طبيعية, حياة كريمة في النور بعيداً عن الشبهات. أليس الأفضل أن يتحول هؤلاء إلى رجال أو نساء بكامل مواصفاتهم خير من أن يعيشوا نصف إمرأة و نصف رجل أو ينحرفوا؟
إنّ أهمية الموضوع ليست في تفاصيل المرض أو خطوات العملية، وخطورة المسألة ليست في دور الهرمونات أو الجينات، ولكن الأهمية والخطورة تنبع من أننا نحرم إنساناً من أبسط حقوقه، وهو أن يكون نفسه. تصحيح أو “تغيير” الجنس ليس مسألة حلال أو حرام و لا موضوع عيب أو خجل أو لا أخلاقية, بل هي مسألة علاج لمريض يعاني معاناة شديدة. فما المانع من التعامل مع هذه القضية بنظرة علمية و موضوعية دقيقة؟

ياسمين حسن
ناشطة في مجال حقوق الترانسجندر
أرسلت في 1 فبراير 2009 لعدة جهات من نقابة الأطباء المصرية


أوسمة : , , , ,
قد تهمّك هذه المواضيع المتعلّقة :
5 تعليقات
فبراير 2, 2009
9:31 م
#1 سارة :

ياااااااارب حدا يقرا الرسالة من رجال الدين والمسؤولين ويفهمو عشان ارتاااااح لاني عنجد مليت وزهقت كتير شكرا ياسمين على مقاااااااالتك الرائعة والاكثر الاكثر من رائعة يارب يارب حدا يقرا ويتاثر ونعيش حياة طبيعية يارب

فبراير 12, 2009
12:43 ص
#2 دنيا :

ميرسي يا ياسمين ع المقاله الخطيره دي
انا عايزايكي تقري مدونتي يمكن تساعدك
http://transmasr.blogspot.com/2008/12/blog-post_20.html

مارس 25, 2009
9:06 م
#3 نورا :

حرمت نفسي لسنوات طويلة من اللذة .
وحين وجدته واقتنع اخيرا بعد وقت طويل
مارسنا الحب معا وادركت بأنني انثى
ولست رجلا منذ ذلك اذ غادرني شعور الرجال الى الابد
ولم يهتز عرش الرحمن ولم ننقلب تماثيلا ولم اخف بعد
ذلك من ميليشيات الضلام وجلاوزة العمائمرغم اني اعلم
اني اخاطر بحياتي

ولكن يجب أن يفهموا ويجب لاحد ان يتكلم
تحية لك من بلاد الرافدين

يناير 8, 2010
2:57 ص
#4 الاكثر حزنا على الارض :

وجدت الحب و لا استطيع ان اهنأ به وجدت الامان و لا استطيع ان اشعر به وجدت ملاكا ترعاني و تحبني اكثر من نفسها و احبها اكثر من نور عيناي و لكن بسبب حالتي لا استطيع ان اكمل معها انا رجل؟ نعم هيه تعرف و انا اعرف و نحن الاثنان متأكدان عمرها ما شعرت بانني غير ذلك و لكن جسدي له كلمة اخرى فهوه جسد انثى مثله كمثل السجن الذي تسجن فيه روحي و احساسي و كياني انني اموت و اتعذب كل ثانية الف مره. يارب رحمتك بي و بنا جميعا اللهم اني اتكل عليك فأنت حسبي ووكيلي اللهم اني اسألك رحمتك و هديك يا ارحم الراحمين.

فبراير 21, 2010
4:13 م
#5 مونيكا :

يسلم فمك ياياسمين,لكن للاسف هؤلاء الاطباءوالشيوخ قد كونوا حكما مسبقا ولايستطيعون الرجوع عنه.وكما قلتى انتى لا يستطيعون فهم كيف يقبل الرجل ذوالمرتبه الاعلى ان يصبح انثى ذات مرتبه ادنى!!ولايستطيعون اخراج الممارسه الجنسيه للانثى من عقولهم المريضه(باعتبارهم ان هذه الممارسه مهينه للانثى فكيف يرضى الرجل بهذه المهانه فى تصورهم)

أضف تعليق

الإسم

البريد الإلكتروني

الموقع

التدوينة السابقة
«
التدوينة التالية
»